وجهة نظـــر

نظرية الصور القميئة على علب السجائر

نظرية الصور القميئة على علب السجائر

ـ ما تشوفلي علبة تانية غير دي يا معلم.

ـ اللي معاك إيه؟

ـ معايا سرطان اللسان.

ـ عندي غرغرينا القدم والراجل العجوز.

ـ هاتلي الراجل العجوز!

إذا سمعت هذا الحوار أمام أحد أكشاك السجائر وكنت غير مدخن فلا تتعجب ولا تتهم صاحب الكشك والرجل الذي يختار المرض ذا الصورة الأقل قماءة ليشتريه بالجنون.. فالشاري لا يريد شراء مرض من الكشك ولا حاجة.. كما أن صاحب الكشك كذلك لا يتاجر في الأمراض.. إنما حنعمل إيه بقى في مدى أخلاقية الأجهزة المسؤولة عن صحتنا كمواطنين وعن صحة سلامتنا الجسدية والعقلية كبني آدمين.. حنعمل إيه بقى في الأجهزة المحترمة والمسؤولين اللي ضميرهم صاحي؟! إنهم شرفاء للدرجة التي جعلتهم يشلفطون علبة السجائر بتشكيلة منتقاة من أبشع الصور وأكثرها فجاجة ثم يؤكدون لنا ببنط أعرض من بنط ماركة السجائر نفسها على أنه «التدخين يسبب الوفاة».. يا نهار اسود ع الصراحة.. يا نهار اسود ع الشرف.. يا نهار اسود ع الأخلاق.. ولكن.. وفي هذا الصدد.. لماذا وقع اختياركم على المنتج الوحيد الذي نعلم جميعًا ما يسببه من أمراض وقررتم كتابة كل تلك التحذيرات عليه؟!

ألم يكن أجدر بكم أن تحذرونا من المنتجات الأخرى التي لا نعلم ما تسببه من أمراض والتي من المفترض فيها أصلًا ألا تكون سببًا لمرض متعاطيها إلا أنها ولظروف غامضة تتسبب له في الكثير والكثير من الأمراض؟! لماذا لم تطرحوا حنفيات في السوق على هيئة رئة مهترئة من فرط تلوث المياه المسرطنة والملوثة وغير الصالحة للشرب التي سوف تندفع منها؟! لماذا لم تشترطوا على بائعي الخضر والفاكهة لصق ستيكرز على كل خياراية وطماطماية ويوستفندياية مكتوب عليه تحذير من أن تلك الخضراوات والفواكه مروية بمياه المجاري والصرف الصحي؟! لماذا لم تكتبوا تحذيرات على بوابات مدارسنا الحكومية تؤكد أن نظام التعليم المصري يسبب التخلف العقلي والهطل وانعدام القدرة على اتخاذ القرار أو التفكير المرتب المرتكز على أسس علمية سليمة ويساعد على هبوط معدل الإدراك مما يفضي بالعيِّل أو العيِّلة من دول في النهاية إلى الانضمام للقطيع وتبني نفس الأفكار غير المنطقية التي تتبناها مجتمعاتهم وبالتالي مافيش حاجه تتغير؟! لماذا لم تكتبوا تحذيرات على المستشفيات الحكومية تحذرنا من عدم صلاحيتها لعلاج البني آدمين؟!

لماذا اخترتم المنتج الذي نعرف أضراره وأخذتم تحذروننا منه بكافة الطرق القميئة والوسائل الهمجية بينما تركتم المنتجات الضارة بجد والتي لا نعرف شيئًا عن أضرارها بدون أن تحذرونا منها ولو حتى بشكل غير مباشر؟! إذن.. لن نمنع عنكم السجائر.. إلا أننا حنطفحهالكم بالسم الهاري.. سوف نصدم أعينكم بصور فجة وقميئة نضعها لكم على ثلثي مساحة علبة السجائر وسوف نخبركم في الثلث المتبقي بأضرار التدخين وبكيف أنه يسبب الوفاة والعديد من الأمراض السيئة والمميتة والحاجات الوحشة.. وسوف نستخدم في سبيل ذلك كل ما هو فج وقميء.. بدءًا من الاستظراف وصورة السيجارة المتنية.. وصولًا إلى الصديد النفسي وصورة غرغرينا القدم.. لن نمنع عنكم السجائر.. فقط حنطفحهالكم بالسم الهاري.. تلك هي النظرية العالمية التدخينية الجديدة التي تفتقت عنها الأذهان للتوفيق بين ترك تلك الإمبراطوريات الاقتصادية الضخمة المتمثلة في شركات صناعة السجائر تواصل عملها وبين حفظ ماء وجه منظمة الصحة العالمية وكل تلك الكيانات السياسية التي تحكم العالم والتي تتحكم فيها وتديرها كعرائس ماريونيت تلك الإمبراطوريات الاقتصادية الضخمة المتكئة بدورها على شبكات إعلامية تدير الكوكب وتلعب طول الوقت في أساسات عقول مواطنيه.. إنها نظرية التوفيق بين الفسادين الأكبرين: الفساد السياسي والاقتصادي.. وما تلك الصور القميئة على علب السجائر سوى أحد التجليات القذرة لتلك النظرية! وبصرف النظر عما تحتويه تلك الليلة من تعقيدات سودا ومن تشابكات منيلة بنيلة ومن تداخلات سياسية واقتصادية ومزاجية.. إلا أننا في حال اعتبرناها نظرية يمكننا تطبيقها على البني آدمين والسجائر.. فإنه يمكننا أيضًا تطبيقها على مناحٍ أخرى من مناحي الحياة.. الشعوب والثورات مثلًا.. هكذا ـ وبمثل الاتكاء على معطيات مثل تلك النظرية التدخينية ـ يمكننا الاستمرار في بيع الثورة مع التأكيد في نفس الوقت على أضرارها.. وما ذلك التصاعد المستمر في أعداد القتلى والشهداء سوى دليل دامغ وحاسم على أن الثورة مثلها مثل التدخين.. كلاهما يسبب الوفاة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق