غرائب وعجائب

محاربو الخرافات !

بعينيه الثاقبتين يراقب كل شىء.. ولا يمكن خداعه أبدًا.. وفي أمانة يستخدم التراث الذي تركه له سلفه العظيم «هودينى»، عالمًا أن غريزة «التفكير التواق» تحكم أفعالنا، وتجعلنا نبدأ باستنتاج ثم نلفق الملاحظات لنصل له في النهاية ونشعر بالراحة.. اسمه «جيمس راندي»، وهو اليوم على أعتاب الثمانين من عمره.. ضيف على عدد لا بأس به من برامج التلفزيون، بين 6 %. نعود أولاً إلى أوائل القرن لنشهد صداقة غريبة جمعت آرثر كونان دويل مؤلف شيرلوك هولمز بأشهر مشعوذ في التاريخ: «هودينى»، وقد صدر مؤخرا كتاب اسمه «جلسة تحضير الأرواح الأخيرة، يحكي عن تفاصيل هذه الصداقة، ولمن لا يعرف «هودينى»نقول له إن كل الساحرة من أمثال «ديفيد كوبرفيلد» وسواه المتخصصين في الهرب من الشراك، خرجوا من عباءته.لقد هرب «هوديى» من كل شىء تقريباً. … من توابيت تحت الماء.. من الأكفان من البنايات المحترقة.. حتى أنه هرب من الأصفاد الحديدية التي كبله بها رجال سكوتلانديارد، وكان يعتمد في هذا على حيل كشف عنها قبل موته منها المفاتيح المخفية والاطفاشات الصغيرة ونفش عضلاته لحظة ربط القيود حوله.. لقد انعقدت صداقة حميمة بين دويل وهودينى، وقد دعاه إلى عدة جلسات استحضار أرواح، وكان الغرض استحضار أما الساحر، وكان هودينى بحاجة إلى أن يصدق هذا الكلام لكي يشعر بأنه لم يفقد أمه. وبعد جلسة طويلة كتبت زوجة دويل خمسين صفحة أملتها عليها روح أمر هوديني .. لم يشك هوديني في صدق نوايا دويل، إلا انه احتفظ ببعض الشكوك في نفسه بصدد الجلسة ولم يفصح عنها إلا بعد فترة.. لقد شك أولاً في كون الرسالة من أمه؛ فالرسالة كانت بالإنجليزية وأمه لم تكن تجيدها، كما أن الرسالة لم تذكر حرفاً عن كون هذا اليوم بالذات عيد ميلاد أمه. كان رد دويل حينما سمع بهذه الشكوك هو أن اللغة وأعياد الميلاد أمور لا قيمة لها في عالم الأرواح. حدث شجار بين الصديقين لأن الساحر لم يصدق ما صدقه الأديب، وهكذا اختلفا. النقطة المهمة هنا هي أن «هوديني»كان ساحراً..

وكما يقولون فإنه ما من حاويستطيع أن يخدع حاوياً آخر، أو – كما نقول نحن – لا أحد يبيع الماء في حارة السقائين. ولهذا برهن أكثر من مرة على أن الجلسات زائفة، وكان يجد لذة خاصة في فضح النصابين الذين يخدعون الأرامل والأيتام، وكانت له موقعة شهيرة في قضية «ميجري» الذي ادعى امتلاكه موهبة الوساطة.. لقد خصصت الجمعية الروحانية الأمريكية وبفضل هودينى لم يفز أحد بهذه الجائزة قط!.. لكن أثار غيظه أن «دويل» ساذج ومخدوع إلى هذا الحد. الحقيقة أن هناك عاملاً نفسياً في الموضوع يمكننا فهمه.. لقد أراد الأب المفجوع «دويل» أن ينخدع. أما هوديني فقد ظل متشككاً كارهاً لهذه الأمور، وقد وقف أمام محكمة ليشهد فقال: – «أنا لا أهاجم الدين فأنا لا أعتبر تحضير الأرواح جزءاً منه.. لكن هذا الشى ع المسمى وساطة روحانية – حيث يتصل وسيط بالموق – هو كذبة من البداية للنهاية.هناك نوعان من الوسطاء: أولئك الذين اختلت عقولهم ويجب أن يوضعوا تحت الملاحظة الطبية، وهؤلاء الذين يكذبون عمداً. لن أثق بشهادة وسيط حتى تحت القسم.. فالحنث باليمين لا يمثل لهم مشكلة. في كل عام تسرق ملايين الدولارات في أمريكا والحكومة لا تهتم بذلك لأنها تعتبر هذه الأمور مسائل دينية» وقدم «هوديني» بعض العروض على مسرحه أظهر فيها عمليات وساطة مقنعة، لكنه لم يدع لحظة أنها وساطة.. وكان يصرح في كل مكان أنها تمت بخفة اليد فقط، إلا أن الروحانيين ظلوا مصرين على أنه يملك قدرة الوساطة وإنه حتى بعد موت هوديني، ظل دويل يحاول إثبات أن هوديني كان يملك قوى خارقة، وأنه كان يحول جسده إلى صورة غير مادية تسمح له بالمرور عبر الجدران، وكتب عنه فصلاً كاملاً في كتابه «حافة المجهول». والطريف أن هوديني قضى حياته كلها يحارب هذه المعتقدات. لهذا قال البعض إن دويل لا يملك ذكاء بطله «هولمز» بل ذكاء بطله الأخير د. «واطسون»!!. % بالإبلا مات «هوديني»، فجاء بعده «راندي»… ولد راندي عام 19/١ ومارس السحر على المسرح، كما مارس ألعاب الهارب الشهيرة.. وقد اشتهر بأنه فر من قميص الأكمام 9 هـو في وضع معلق مقلوب فوق شلالات نفس نشأة «هودينى» تقريبًا… ساهم في برامج عديدة، وفي تحرير الكثير من المجالات ، كما أنه صاحب الكتاب الشهير «الشعوذة – 1991» الذي يعد مرجعا عن أشهر السحرة.. لكن له العديد من الكتب كذلك.. اشتهر راندي عام 1971 بتحديه للمشعوذ الشهير «يوري جيلر».. «جيلر»ساحر شهير لكنه يزعم دومًا أن لديه قوى خارقة للطبيعة،

واشتهر بقدرته على ثاني الملاعق والمدي، لكن «راندي» تحداه علنا أكثر من مرة واتهمه بالنصاب.. الحقيقة والتقاضى.. وقد جعل «راندي» يقضي وقتا لا بأس باك من شارك «راندي» في تأسيس «لجنة التقصي العلمي لدعاوى الأمور الخارقة للطبيعة».. إلا أنه اضطر للاستقالة منها لأنهم طلبوا منه أن يخفف من حدة لهجته مع «جيلر»، فهم يخشون أن يقاضيهم هذا الأخير.. رفض «راندي» واستقال كان راندي مسئولاً عن المشروع ألفا، الذي تضمن زرع وسيطين نفسيين مزيفين في مشروع جامعي لدراسة الظواهر الخوارقية.. وبالطبع انخدع الجميع وحسبوا الرجلين يتمتعان بهذه القوى فعلاً.. ثم أعلن الحقيقة مما أدى لفضيحة… نفس الطريقة كررها مع أحد المعالجين الروحانيين – يدعى «بيتر بوبوف»- الذي شفى امرأة من سرطان الرحم، فقط ليتضح أنها رجل متنكر جاء به «راندي»!.. كانت ضربة كاسحة قضت على الرجل تمامًا… لا يمكنك أن تعيش حياة هذا الرجل – «راندي»- من دون ان تترك خلفك أعداء عددهم كرمال الصحراء! يؤمن الرجال بما يقول، إلى حد أن مؤسسته التعليمية REFل عرضت جائزة قدرها مليون دولار على كل من يعترض ظاهرة خوارقية ما، بشرط ان يتم ذلك في ظروف عالمية مراقبة.. وبشرط أن يحدد أولاً معنى النجاح والفشل، وبشرط ألا تؤدي التجربة الخطر أو موت الشخص الذي قبل التحدي.. حتى هذه اللحظة لم يستطع أحد أن يجتاز الاختبار الأولي الذي يؤهله للجائزة.. إن «راندي» ناقد حاد سليط اللسان، ويقول إن هذا بسبب كل الهراء الذي يضطر لابتلاعه يوميا حتى فقد صبره نهائيا.. خاصة من هؤلاء المعالجين الروحانيين الذين لا يكفون عن سرقة أموال المرضى والباحثين عن أمل…. نفس ما قاله «هودينى» من قبل ! آخر تحلل وجهه «راندي» كان للوسيطة الروحانية «سيلفيا براون» التي يؤمن بها كثيرون.. كان هذا التحدي قد وجه لها عام ا** وقبلته على شاشة التلفزيون، وفي موقع راندي ساعة تعد الأسابيع التي مرت على سيلفيا حتى اليوم دون أن تقبل التجربة.. ستة أعوام و«سيلفيا» ترفض أن تعرض خبراتها في ظروف علمية محكمة، لكنها لن تعدم المؤمنين بها الذين يجلونها ويحترمونها لأنها نأت بنفسها عن «هذا العبث».. كرامة الروحانيات لا تسمح لها بالدخول في ألعاب صبيانية مع عجوز متعصب متشكك.. إنه «التفكير التواق» يطل برأسه من اجل بل . . . .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق