حوادث وجرائم

العبودية الجديدة

هل تعتقدون أنكم بالفعل أحرار؟! إذن دعوني أفاجئكم بتلك الحقيقة المفجعة والمفزعة والمنطقية في آن.. فليس هناك أحرار بالفعل في هذا العالم سوى الدراويش والمجاذيب والهائمين على وجوههم.. هؤلاء الذين لا يمتلكون شيئًا على الإطلاق هم وحدهم الأحرار.. أما نحن فلسنا أحرارًا على الإطلاق.. بالعكس.. نحن عبيد بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. بل ربما كنا عبيدًا أكثر من العبيد بتوع زمان بذات نفسهم.. هؤلاء الذين بيعوا في سوق العبيد واشتراهم شخص ما بعد دفع ثمنهم وامتلاك صك ملكيته لهم.. الفارق الوحيد بين عبوديتنا الحديثة وعبودية زمان يتمثل في شكل العبودية الذي اختلف وطاله من تغيير ما طال كل شيء في كوكبنا الأرضي العزيز والقذر من تغيير.. شأن العبودية في ذلك شأن الحرب بالظبط.. انظروا لتطوراتها على مدار الحقب التاريخية المختلفة من صراعات بالأيدي العارية وبالأدوات البسيطة ثم بالسيوف والدروع والخيول ثم بالمركبات الحربية ثم بالبنادق والمدافع ثم بالدبابات والطائرات والغواصات ثم بالقنابل الذكية الموجهة والطائرات بدون طيار ثم بالتكنولوجيا والألاعيب النفسية وتفجير الأوضاع من الداخل ومن بعيد لبعيد كما هو حاصل الآن بالظبط.. حيث إنه ـ في حالة لو كنتم مش واخدين بالكو ـ الحرب العالمية الثالثة شغالة بالفعل منذ فترة.. إلا أنها فقط اتخذت شكلًا آخر غير ذلك الشكل القديم الذي اعتدناه.. وهكذا هي العبودية.

هل يستطيع أحد من المدخنين الذين يقرأون الآن أن ينكر أنه عبد لشركة «فيليب موريس»؟!.. هل يستطيع شخص من الجالسين الآن يقرأون تلك الكلمات على شاشة «اللاب توب» بتاعهم أن ينكر أنه عبد في مستعمرات «بيل جيتس» و«ستيف جوبز» و«مارك زوكربيرج»؟! هل يستطيع شخص داخل على النت من موبايله إنكار أنه عبد رسمي لنظام أندرويد؟! هل يستطيع شخص ممن يمتلكون موبايل أن ينكر أنه عبد لدى شركة من الشركات الثلاث.. فودافون أو موبينيل او اتصالات؟! هل يستطيع شخص أن ينكر أنه عبد لجميع التزاماته الشهرية.. عبد لإيجار الشقة التي يعيش فيها.. عبد لفواتير الكهرباء والمية والتلفون.. عبد للأقساط المطلوب منه سدادها.. عبد لتطلعاته ورغباته واحتياجاته.. عبد للسوبر ماركت وشركات التغذية العالمية وللصيدلية والشركات الضخمة العابرة للقارات؟! أنتم عبيد.. إلا أن شكل صك العبودية فقط هو الذي اختلف..

ليتشكل على هيئة عقد عمل مرة ثم على هيئة عقد إيجار شقة مرة أخرى ثم على هيئة فاتورة تطالبك بسداد مبلغ معين من المال لمواصلة تمتعك بخدمة معينة ترى أنك لا تستطيع الحياة بدونها مرة.. إنها العبودية الجديدة.. التي لن يمتلكك فيها أحد وإنما سوف تمتلكك فيها الكثير والكثير من الأشياء.. التي لن يعرضك فيها أحد في سوق العبيد ليشتريك سيدك الجديد وإنما أنت من سوف تسعى بنفسك إلى سيدك الجديد لتبيع له نفسك عن طيب خاطر لتحصل بعدها على أوبشن ما تظن أنك قد أصبحت تمتلكه بينما الحقيقة هي أن هذا الأوبشن هو الذي أصبح يمتلكك.. وليس العكس.

المسألة كما أخبرتكم.. أشبه بالحرب العالمية الثالثة بالظبط.. حد واخد باله إنها شغالة بقالها فترة؟! خالص.. إلا أنها شغالة تمامًا.. وتقوم بتحقيق نفس ما كانت حروب زمان تقوم بتحقيقه.. بس من بعيد لبعيد.. وبنسبة أقل في الخسائر.. وبدلًا من أن يحتل الغزاة الدولة من دول بعد هزيمتها.. فلتهزم كل دولة نفسها بنفسها.. ولتضطلع كل دولة بمهمة فتفتة وتمزيق نفسها بنفسها.. وهكذا هي العبودية.. فلتصبحوا عبيدًا بدون إدراك أنكم قد أصبحتم عبيدًا.. ولتحرصوا على امتلاك الأشياء والأوبشنات التي سوف تمتلككم بدورها.

والآن.. كيف نحل تلك المعضلة التي تبدو وكأنها مالهاش حل؟! كيف نفك تلك التخبيلة السودا لخيوط احتياجاتنا مع خيوط عبوديتنا لتلك الاحتياجات؟! هناك أشياء في تلك الحياة مالهاش حل سوى عن طريق إدراكها.. وتلك المسألة موضوع الحديث من ضمن تلك الأشياء.. فمجرد إدراكك للعبة التي قد تم إشراكك فيها غصبن عنك بوصفك أحد قاطني ذلك الكوكب التعس يعد في حد ذاته تخفيفًا من حدة المأساة.. ينبغي أن تدرك أنها لعبة.. مجرد لعبة ومحض عبث ينبغي علينا أن نتعامل معها بما يليق بها من كونها عبثًا في عبث في عبث.. يقول «صامويل بيكيت»: «أنا في تلك الحياة.. لا علاج لذلك»!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق