غرائب وعجائب

الشافي النائم !!

إدغار كايس مات يوم 5 كانون الثاني/يناير 1645، ودُفِن معه سرٌّ لم يتوصّل هو نفسه إلى كشفه، وكان قد روّعه طوال حياته. فتابعت دراسة ملفّات هذه القضية، مؤسسةُ إدغار كايس في الولايات المتحدة، حيث يعمل أطباء وعلماء نفس عديدون. تبدأ الرواية هكذا: كان إدغار كايس الصغير مريضاً جداً. وكان طبيب القرية يسهر عليه ملازماً سريره. ولم تكن هناك وسيلة لانتشال الولد من الغيبوبة. لكن، بغتةً، ارتفع صوت إدغار صافياً هادئاً يقول، مع أنه كان نائماً: «أودّ أن أروي لكم ما بي. لقد أصابت كرةٌ عمودي الفقري. يقتضي وضع كمادة خاصة على منشأ عنقي». وباللهجة نفسها أملى الولد لائحة الأعشاب التي كان يترتب خلطها وإعدادها، ثم أضاف: «استعجلوا، وإلا وصلت الإصابة إلى دماغي». وعلى سبيل المسايرة، أطاع الطبيب، فتدنّت الحمّى مساءً. في الغداة، نهض إدغار مرتاحاً نشيطاً، ولم يتذكّر شيئاً. وكان لا يعرف معظم الأعشاب التي عدّدها. هكذا بدأت إحدى أغرب قصص الطب. وتحتّم على إدغار كايس الفلاح الصغير في كنتكي، الذي سيطر عليه الجهل المطبق، أن يعالج ويشفي، وهو غارق في نوم مغناطيسي، أكثر من خمسة عشر ألف مريض. 

كان عاملاً زراعياً في حقول أحد أعمامه ثم مساعداً في مكتبة، وأخيراً صاحب محل تصوير شمسي. وراح يقوم مرغماً بدور الشافي. وإذا برفيق طفولته آل لاين وزوجته يبذلان جهدهما لحمله على القبول، لا من قبيل الطموح، بل لأن لا حق له بأن يحتفظ بمقدرته لنفسه، ويرفض مساعدة المرضى. ولأنّ آل لاين شاب نحيل ضعيف البنية، متواصل الألم، يجرّ نفسه جرّاً، قبل كايس بأن ينام، فشخّص أوجاعه الأساسية وأملى عليه العلاج. وعندما استيقظ قال: «هذا غير ممكن. أنا لا أعرف نصف الكلمات التي سجّلتها. لا تتناول هذه الأدوية لأنها خطرة. أنا لا أفهم شيئاً. كل هذا سحر بسحر». ورفض أن يرى صديقه آل ثانية. وحبس نفسه في محل التصوير الذي يعمل فيه. بعد ثمانية أيام أتى آل إليه واقتحم بابه عنوة. وهو لم يشعر أبداً من قبل بأنه في صحة جيدة كما هو الآن. وهاجت المدينة وماجت متناقلة شتى الأقاويل، وطلب الجميع استشارته فأجاب: «إن كنت أتكلم وأنا نائم، فهذا لا يعني أن عليّ أن إداوي الناس». لكنه قَبِل في آخر الأمر، بشرط أن لا يبصر المرضى، خوفاً من أن يعرفهم ويأتي حكمه متأثراً بأحوالهم، وبشرط أن يحضر الأطباء هذه الجلسات، وبشرط أن لا يتقاضى فلساً واحداً ولا تُقدّم له أية هدية. وكانت التشخيصات والوصفات التي يشير بها في حالة نومه المغناطيسي دقيقة وناجحة جداً، حتى اقتنع الأطباء بأنه أحد زملائهم في الطب متنكراً بزيّ الشافي.

فحدّد لنفسه كشفين طبيّين في اليوم. لا لأنه يخشى التعب، إذ كان يستفيق من نومه مرتاحاً، بل لأنه يصرّ على أن يظل مصوّراً، ولا يريد بشكل من الأشكال أن يكتسب أية معرفة طبيّة. هو لا يقرأ أبداً، لذا ظل ابن فلاح. جاء يوماً أحد كبار موظفي سكك الحديد الأميركية يُدعى جيمس أندروز يستشيره. فوصف له في حالة نومه المغناطيسي، مجموعة أدوية منها ماء أرفال. وكان هذا الدواء غير موجود. فنشر أندروز إعلانات في المجالات الطبيّة للحصول عليه، ولكن بدون جدوى. وفي سياق جلسة أخرى، أملى كايس تركيب هذا الدواء الكثير التعقيد. وإذا بـأندروز يتلقّى جواباً من طبيب فرنسي شاب. وكان والد هذا الطبيب هو الذي ركّب ماء أرفال. لكنه توقّف عن استثماره منذ خمسين سنة. وكان تركيبه ينطبق تماماً على ما أملاه المصوّر الصغير «في الحلم». تحمّس أمين سرّ نقابة الأطباء المحلية «جون بلاكبورن» لوضع كايس. فجمع لجنة من ثلاثة أعضاء لحضور جميع الجلسات وهم مشدوهون. فاعترفت النقابة الأميركية العامة بمواهب كايس، وسمحت له رسمياً بتعاطي الاستشارات النفسية. تزوّج كايس، ورزق ابناً، أصبح عمره ثمانية أعوام. وفيما الولد يلعب بالثقاب أشعل كمية مخزونة من مادة الماغنيزيوم السريعة الاشتعال. فأجمع رأي الاختصاصيين على إصابة الصبيّ بالعمى التام، واقترحوا استئصال إحدى عينيه. وفي ثورة غضب، استسلم كايس لجلسة نوم، وغاص في سبات مغناطيسي. فعارض بشدّة فكرة استئصال العين، ونصح بوضع ضمادات مُشبعة بالحامض العفصي لمدة خمسة عشر يوماً. فأثار هذا حفيظة الاختصاصيّين الذين عدّوا ذلك ضرباً من الجنون. لكن كايس وهو فريسة أضنى العذابات، لم يجرؤ على مخالفة صوت وحيه. بعد خمسة عشر يوماً شفي ابنه. ثم أصيب كايس ذاته بمرض عضال لا شفاء له. فمات في اليوم والساعة اللذين كان قد حدّدهما لنفسه. سُئل يوماً أثناء نومه عن طريقته في معالجة الأمراض، فأعلن (وهو كعادته لا يتذكر شيئاً مطلقاً عندما يستيقظ) أنه يستطيع أن يتّصل بدماغ أي إنسان حيّ وأن يستخدم المعلومات التي يحويها هذا الدماغ أو هذه الأدمغة لتشخيص الحالات المعروضة عليه ومعالجتها. ربّما كان ذلك ذكاءً خارقاً، نَشَط حينذاك في شخص كايس واستخدم جميع المعلومات التي تدور في رؤوس كل البشر، كما تُستخدم مكتبة المطالعة، لكن بنحو شبه فوري، أو على الأقلّ بسرعة فائقة. لكن لا شيء يخوّلنا اليوم أن نفسّر وضع إدغار كايس بهذه الطريقة أو تلك. كل ما نعلمه أكيداً أن مصوراً صغيراً في قرية، لا طموح له ولا ثقافة، كان قادراً حسب مشيئته على أن ينتقل إلى حالة يعمل فيها ذهنه كأنه طبيب عبقري، أو بالأحرى نظير جميع أذهان كل أطباء العالم مجتمعين. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق