منوعات

إنهم يرتدون الكرافتة !

منذ بدأ فكري يتبلور ووعيي يتمحور ورؤيتي تتبأور بدأت أعي جيدًا أننا لم نجئ إلى تلك الحياة سوى لنتساءل ونحاول البحث عن إجابات لأسئلتنا.. ومع تزايد الأسئلة بداخل عقلي الصغير بدأت أعي جيدًا أن الغموض والالتباس هما أساس تلك الحياة وأن الأسئلة أم إجابات أقل بكثير من الأسئلة اللي مالهاش إجابات.. ومع مرور السنوات والخبرات والتجارب تبدأ بعض الأسئلة في تحوير وتطوير نفسها لتواجهك على هيئة أسئلة أخرى ملائمة أكثر لما مررت به من خبرات.. بينما تهدأ بعض الأسئلة الأخرى بعد الحصول على إجابات مقنعة ومنطقية.. فيما تظل أسئلة أخرى عبثية تطاردك منذ الطفولة وحتى وقتك الحالي بنفس شكلها البسيط.. دون أن تطور نفسها ودون أن تحصل على إجابة منطقية. على رأس تلك الأسئلة يأتي هذا السؤال الملتبس الذي يرافقني منذ طفولتي وحتى الآن: «ليه الناس بتلبس كرافتة؟!». جميع الملابس التي نعرفها لها مبرراتها المنطقية ذات الصلة بالبيئة والمناخ.. فالجلاليب البيضاء أنسب لحرارة الصحراء وفرو الدببة أنسب لبرودة الإسكيمو بينما القميص والبنطلون والتيشيرت والبدلة يناسبون جميع الأوقات.. فجميعها ملابس تمتلك مبرراتها المنطقية وتقوم بدورها الموكل إليها كقطع ملابس محترمة لها هدف ووجهة نظر في الحياة ومرجعية تصميمية تعتمد على الشكل الذي خلق الله به أجسادنا.. أما بقى تلك القطعة الزيادة ـ الكرافتة ـ فقد أعيتني الحيلة أثناء البحث عن سبب منطقي واحد يجعل منها سببًا في دخولي حفلة بالمسرح الكبير بدار الأوبرا من عدمه.. أعيتني الحيلة أثناء التفكير في الهدف من إعطائي كرافتة على باب المسرح في حالة عدم ارتدائي واحدة كي أستطيع الدخول..

هل يفترض بالبني آدم منا أن يتعامل مع كل هذا العبث واللامنطق بشكل عادي؟! العجيب أن عظماء العالم وعلماءه ورجاله المهمين وفنانيه ورؤساء دوله ومفكريه وأدباءه ـ وبحكم أن مناسباتهم الرسمية أكثر ـ هم الأكثر ارتداءً لتلك القطعة العجيبة من القماش.. على الرغم من أنهم هم أول من يجدر أصغر فرع خدمة عملاء في أي شركة اتصالات في أفقر دول العالم.. إلى الموظف رقم واحد في العالم.. الجميع يرتدون الكرافتة.. بدون معرفة سبب منطقي واحد لارتدائها! الجميع يقفون في الصباح أمام المرآة أثناء ارتدائهم لملابسهم.. يغلقون أزرار القميص.. ثم يُرجعون رؤوسهم إلى الوراء ويشدون عروق رقبتهم حتى يتمكنوا من غلق زرار القميص الفوقاني.. ثم يتناولون تلك القماشة الغريبة.. يلفونها حول أعناقهم ويقومون بتلك الحركات الغريبة التي حاولت كثيرًا أثناء طفولتي تعلمها عن طريق متابعة أبي أثناء ارتدائه ملابسه ولكني فشلت.. اخطفوا رجلكو إلى أقرب مراية وقفوا أمامها بنية صافية وقلوب طاهرة واسألوا أنفسكم بصدق: «إيه القماشة المدلدلة من رقبتي دي؟! فايدتها إيه؟!».. إذا كنتم صادقين في إجابتكم.. فهي لن تكون سوى عن طريق إسراعكم بفك تلك العقدة القابعة حول رقبتكم ثم اتباع ذلك الفك للكرافتة بفتح زرار القميص الفوقاني.. لن يكون باقيًا بعد هذا سوى أن تفردوا ذراعكم بجانبكم ثم تتنفسوا.. تتنفسون بعمق.. عندها فقط سوف تستوعبون ما أقوله.. عندها فقط سوف تعرفون أن الحياة أبسط مما تعتقدون.. أبسط بكثير! في هذا الصدد.. لو حصل وجاء إلينا طبق استكشافي طائر من المريخ مثلًا.. فإنه سوف يعود إلى كوكبه بعد زيارة كوكبنا ليكتب في تقريره لُكشة كلمات مثل تلك: «الأرض حقًّا كوكب غريب.. يخنق فيه سكانه كل صباح أنفسهم بأنفسهم باستخدام قطع طولية غريبة من القماش يطلقون عليها عند كتابتها «ربطة عنق».. بينما ينطقونها «كرافتة».. وعلى الرغم من كل المعلومات التي قمنا بتجميعها عن كوكب الأرض.. وبالرغم من كل تلك الأسرار التي اكتشفناها إلا أننا لا نزال غير قادرين على مواجهة أهم لغزين على ظهر كوكب الأرض حتى الآن.. ألا وهما.. إزاي المصريين بنوا الأهرامات؟! وليه البني آدمين بيلبسوا كرافتة؟!».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق