منوعات

ألف حه ألف

زمان.. قبل اختراع الزمان نفسه.. كانت الاجتماعات تجمع سكان الأرض جميعهم.. ولأن المايكات لم تكن قد اخترعت بعد لذلك كانت الاجتماعات تتحول إلى «نميجة» على الفاضي يخرج منها البشر كما دخلوها بدون الاتفاق على شيء بعينه.. تلك الاجتماعات الفاشلة كانت السبب الرئيسي وراء بدء تفكير كُبَارَات البني آدمين في تنظيم أنفسهم بشكل يتناسب مع ذلك العدد الذي لا يتوقف عن الزيادة.. بعدها تقرر عقد اجتماع أخير للبشر جميعهم لإخبارهم بما تم الاتفاق عليه من قبل الكبارات.. بدأ البني آدم الأكبر سنًّا على الكوكب في التحدث إلى الجموع عن طريق جذع شجرة مجوف من الداخل ليصبح بمثابة مايك.. أخبرهم بضرورة أن يكون هناك من يمثلونهم ويتحدثون باسمهم ويتخذون القرارات بالنيابة عنهم.. وجاء الدور على البني آدمين ليصوتوا على ذلك القرار ولأن البشرية لم تكن قد توصلت بعد إلى اختراع اللجنة العليا للانتخابات كان لزامًا على العشرين ألف بني آدم في الاجتماع التصويت عن طريق مناولة جذع الشجرة لبعضهم البعض ليتحدثوا فيه ويسمعوا بعضهم البعض.. وهكذا بدأ أول تصويت في التاريخ. اعترض الجميع على القرار حيث رأوا أن كل بني آدم أجدر بالتعبير عن نفسه وأن هذا قد يفتح بابًا للفساد على الكوكب قد لا نستطيع إغلاقه.. وبدأوا في ترديد نفس الجملة في جذع الشجرة المجوف: «أنا حقًّا أعترض».. «أنا حقًّا أعترض».. ومع الوقت اكتشف الأكبر سنًّا على الكوكب أنه كده مش حيخلص.. فثلاث كلمات بحالهم بالإضافة إلى الزمن الذي يستغرقه تمرير جذع الشجرة بينهم لا يعني سوى شيء واحد.. أن ذلك التصويت قد يستمر شهورًا للاستماع إلى كل هؤلاء البشر..

وبناءً عليه طلب منهم الاختصار والتعبير عن اعتراضهم بالحروف الأولى فقط توفيرًا للزمن.. وبدأ البشر في ترديد الأحرف الثلاثة الأولى من الجملة: «ألف حه ألف».. «ألف حه ألف».. ولمدة أسبوع متواصل ظل سكان الكوكب يرددون تلك الأحرف الثلاثة: «ألف حه ألف».. حتى أصيب الكبارات بالخنقة وبدأت الأحرف الثلاثة التي أفسدت مخططهم لبدء السيطرة على الكوكب واختراع مبادئ السياسة تطاردهم على هيئة كوابيس.. وفي اليوم المخصص لإعلان نتيجة التصويت عصور الاجتماعات الجماعية وتبدأ عصور الاجتما…».. قبل أن ينهي حديثه بدأت صيحات الاستنكار تسود بين الجموع.. وبدأ البشر يعربون عن تعجبهم من تلك النتيجة المنافية تمامًا للحقيقة.. وعندها تحدث الأكبر سنًّا بطيبة وحكمة وخبث: «يا أعزائي إسمحولي أفهمكم الحكاية.. بعد مباحثات ومشاورات كتير اكتشفنا أن ألف حه ألف حروف عيب».. تعجب أحد البني آدمين وسأل الأكبر سنًّا: «إزاي يعني عيب؟!».. فأخبره الأكبر سنًّا: «يا جماعة ثقوا فيا.. ألف حه ألف حروف عيب.. حروف ما يصحش نقولها.. حروف من شأنها أن تقوض ذلك الحلم السياسي الجميل الذي نحلمه لكم.. وبناءً عليه.. وبما أن هذا هو الاجتماع الأخير لينا كلنا مع بعض.. أحب أقولكم حتوحشوني.. وإحنا حنبدأ فورًا في اختيار ممثلين عنكم.. بشرط ما يكونوش من اللي صوتوا بتلك الأحرف الثلاثة قليلة الأدب.. و.. نشوف وشكم بخير»! بعدها بدأ الناس في تناقل تلك المعلومة الجديدة: «ألف حه ألف كلمة عيب».. ودائمًا ما كان هناك من يعترض ويسأل: «ليه عيب؟!».. ومرت السنوات وتعاقبت الأجيال وانتشر الناس في الأرض.. وبدأوا يتناقلون تلك المعلومة: «ألف حه ألف حروف عيب؟!».. إلا أنه مع الزحمة وتزايد متاعب الحياة وتعقدها لم يعد هناك أحد يسأل: «ليه عيب؟!».. تلك كانت البداية الرسمية لتخلي البني آدم عن عقله.. ولاعتبار الاعتراض فعلًا مشينًا.. وهو ما نتج عنه تلك الهرتلة المجتمعية التي تجعل من ثلاثة أحرف مثل ألف حه ألف.. كلمة عيب!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق