وجهة نظـــر

ويسألونك عن ” الأوبشن “

ويسألونك عن الأوبشن

لاحظ المواطن صفر مؤخرًا أنه لا يحب السَّكن في أماكن منعزلة بينما يحب أن يكون منعزلًا.. فحُب أن تعيش في أماكن تستطيع فيها الاستماع إلى أصوات الموتوسيكلات والأتوبيسات والسيارات والخناقات ليس له علاقة بحب العيش منعزلًا بداخل مكانك الخاص.. حجرتك أو شقتك.. العيش منعزلًا فرصة للتعرف على نفسك أكثر.. وبالتالي تحسين علاقاتك بالناس.. وفي هذا الصدد ليس هناك أدنى شبهة تناقض بين كون الانعزال يعتمد في الأساس على ابتعادك عن الناس وبين حبك للعيش في أماكن أو شقق تطل على شوارع تضج بالحياة طوال الوقت.. وينبغي أن تكون تلك الأماكن على شوارع مفتوحة من تلك الشوارع التي تزيد فيها نسبة الغرباء عن نسبة أهل المنطقة أنفسهم.. فتلك الشوارع تحتفظ لك بالقدر اللازم من الخصوصية كما تحتفظ لك بالابتعاد عن تلك المناطق التي يبدو فيها الغريب غريبًا بسهولة..








تلك الأماكن التي تضج بالحياة المفتوحة والتي يعتمد قوامها الرئيسي على الغرباء أكثر مما يعتمد على أهل المنطقة الواحدة لتسمح لك بالشعور بأنك بينما أنت في «المكان» فإنك أيضًا ـ وفي الوقت نفسه ـ في «اللامكان»! ولكن أوليس هذا نوعًا من أنواع التناقض؟! هكذا سأل المواطن صفر نفسه ـ أن تميل إلى العزلة بينما أنت في الوقت نفسه تكره الأماكن المنعزلة؟! وهنا يأتي دور ما نسميه بالأوبشن.. والأوبشن هو امتلاك القدرة على فعل شيء ما في حال أردت فعله.. وفي حالة امتلاكك للأوبشن لا يصبح الفعل مهمًّا بقدر أهمية امتلاك الأوبشن في حد ذاته.. فامتلاكك للتلفزيون أوبشن.. أوبشن تستطيع تفعيله بضغطة على الريموت كونترول وقتما شئت.. وحتى لو لم تقم بتشغيله إلا نادرًا أو لمشاهدة شيء محدد تود مشاهدته إلا أن مجرد معرفتك بأنك بضغطة لا تستلزم سوى ثوانٍ معدودات تستطيع تفعيل الأوبشن وتشغيله تمنحك راحة نفسية من نوع خاص.. راحة نفسية نابعة من امتلاكك للأوبشن. وامتلاكك للكومبيوتر أوبشن.. أوبشن يسمح لك بمتابعة آخر التطورات على الكوكب في جميع المجالات كما أنه يسمح لك بالتعرف على آخر أخبار الأصدقاء..








أوبشن تملك تعطيله أو تفعيله. الموبايل أيضًا أوبشن.. أوبشن يمنحك نوعًا خاصًّا وغامضًا من الطمأنينة إلى أنك قد أصبحت شأنك في ذلك شأن أي إنسان آلي محترم تمتلك رقمًا كوديًّا سحريًّا مكونًا من ١١ رقم.. تستطيع صاحبة الشقة التي تستأجرها أن تطلبه لتطالبك بالإيجار كما يستطيع أيضًا «سكورسيزي» أن يطلبه ليطلب منك شراء سيناريو الفيلم الجديد الذي كتبته.. حتى لو لم يطلبك «سكورسيزي» فإن امتلاكك لهذا الرقم الكودي السحري الغريب سوف يدع المجال مفتوحًا أمام جميع الاحتمالات مع احتفاظك بكامل حقك في الوقت نفسه في إلغاء ذلك الأوبشن وفي تعطيل تلك الاحتمالات عن طريق ضغطة بسيطة تغلق بها الموبايل لتختفي بعدها ببساطة من على وجه الكوكب.. وكأنك لم تكن أصلًا. إذن.. المتعة في امتلاك الأوبشن ليست في تفعيله بقدر ما هي في امتلاكه وفي امتلاك القدرة على تفعيله من عدمه.. لهذا.. الميل إلى العيش منعزلًا على مستوى تواجدك الفردي في مكانك الخاص لا يتناقض على الإطلاق مع الميل إلى العيش في المناطق الحية الصاخبة غير المنعزلة.. فلو كنت تعيش منعزلًا في منطقة غير منعزلة..








إذن أنت منعزل غصبن عنك مش بإرادتك.. وعدم امتلاكك للكومبيوتر معناها أنك منعزل عن الكوكب وغير قادر على التواصل الإلكتروني معه غصبن عنك مش بإرادتك.. وعدم امتلاكك للموبايل لن يجعل أحدًا قادرًا على الوصول إليك.. ليس لأن هذا ما تريده ولكن لأن هذا ما تقتضيه ظروف عدم امتلاكك للموبايل. الأوبشن معناه بمنتهى البساطة امتلاكك زمام الأمور.. أو بمعنى أدق.. تصور امتلاكك زمام الأمور.. ومجرد تصورك لأي شيء في خيالك هو الآخر في حد ذاته أوبشن.. فعش حياتك طولاً وعرضاٌ واستمتع بها,  لكن تذكر دوما أن ” الدنيا ملعونة ملعون ما فيها , إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً أو متعلماً ” .   صدق رسول الله.   ودمتم حبايب . 








الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق