مخيف ومرعب

غرائب الأسماك !

شعار الحياة المفروض في البحار هو: أن تأكل، وأن لا تدع الغير يأكلك. وفي الصراع على البقاء، تمكّن بعض السمك من تنمية جهاز تغذية فيه. يبعث الهوس. فالسمك النابل (الذي يرشق بالنبال) الذي يعيش في الهند وأوستراليا، هو سمك مياه حلوة غريب الطباع. يسبح تحت سطح الماء مباشرةً، وحين يبصر حشرة في جواره، يُخرج شدقه ويُرسل قليلاً من الماء في اتجاهها. فيثقل وزن الحشرة المبلّلة هكذا وتسقط على وجه الماء، فلا تلبث السمكة أن تبتلعها بسرعة. والأغرب من ذلك في تصرّف السمك النابل ليس الطريقة غير المألوفة التي يلجأ إليها في الحصول على غذائه، بل مقدرته على تصويب الماء بدقة في اتجاه طريدته. فلأن السمك يهدف بعينيه من تحت الماء، لا بدّ لنا من الإقرار بمقدرته على تصحيح فَرْق الانكسار البصري بين وسطَيْن (الماء والهواء) وهذا لا تتيحه إلا أكمل الآلات البصرية دقّة.

كذلك في الأعماق، حيث لا يوجد الغذاء بوفرة نظير ما في المياه السطحية، تطوّر بعض السمك إلى حدّ بعيد، بحيث يثبت الشذوذ المنطوي عليه القول المأثور: «الأسماك الكبيرة تأكل الصغيرة». فالسمك المدعو شياسْمادون هو من النوع الذي يعيش في الأعماق التي تفوق ألف متر.





ويستطيع هذا السمك الغريب الأطوار أن يمدّد فمه ويبتلع طريدته الأكبر منه حجماً بما لا يقاس، وتتمدّد كذلك معدته حتى تصبح شفافة تَبِينُ من خلالها ضحيته المبتلَعة. وقلّة الغذاء تدفع هذا السمك إلى التموّن والهضم، بينما هو لا يزال يبحث عن طريدته التالية.

هناك وسيلة أخرى لمعالجة قضية التغذية. فالعديد من الأسماك تعيش أزواجاً وثيقة العلاقة في ما بينها، وكلّ من الزوجين يحاول أن يستفيد من حضور رفيقه. وأشهر مثل معروف يقدّمه سمك لابر المنظِّف، وهو سمك صغير يقضي وقته في تنظيف السمك الضخم، كبعض سمك الحيّات. في معدة سمك لابر المنظِّف، العديد من بقايا الطُفَيليّات ولا سيّما من القِشْريّات (كالسرطان والقريدس) التي كانت عالقة بجسم «زبونه» والتي يبتلعها بطريقة بارعة تتيح له، وهو يقوم بمهمته المنظِّفة، أن يتناول غذاءه، وبالمقابل أن يخلّص رفيقه من طفيلياته الكريهة. «فزبائن» الأسماك المنظِّفة عديدة، وتشتمل على الأنواع التي تمتاز بتغذّيها باللحوم، وبكونها تعيش على ضحايا غيرها. مع ذلك، لم تكن جسارة المنظِّف وسلامته مهدّدة في يوم من الأيام. والأغرب من هذا كله، هو أن «الزبائن» تتجمع في مكان عمل المنظِّف. وبالفعل، تمارس هذه السمكة الصغيرة نشاطها في مكان معيّن، هو عبارة عن «دكّان» فيه ينتظر كل واحد دوره.

لسمك لابر مُنافس يستفيد على كل حال من الحسنات التي يتمتع بها السمك المنظِّف، لكي يأكل فوق شبعه على حساب «زبونه» غير المتبصّر. هو سمك صغير أيضاً يُدعى اسبيرونوتيس، يشبه مظهره سمك لابر المنظِّف. فالمنظِّف المزيَّف يقترب من الزبون المعتاد المنظِّف الحقيقي، ولا يتّخذ هذا الزبون أي احتياط، ثم ينتزع منه أجزاءً صغيرة من الزعانف أو من الجلد ليتغذّى بها. فإذا كان لبعض السمك طرق تغذية شاذّة تبرزه، فبالمقابل يبدو غيره عجيباً أيضاً بوسائله الاستثنائية في التكاثر ليس أقلّها التلقيح الذاتي. فجمع أجهزة الجنسين معاً في بعض السمك يمتاز بامتلاك المبيض والخصية معاً، بعكس ما يمكن تصوّره، وهذه الحالة تمثّل مرحلة أكثر تطوّراً من انفصال الجنسين.





فالتلقيح الذاتي يؤمّن التكاثر في الحالات التي تبيّن أن الجمع بين جنسين مختلفين في فئة واحدة قليل الحدوث. في الواقع، بعض الأنواع لا تلجأ إلى التلقيح الذاتي إلا عند الحاجة القصوى. فأشهر السمك الذي يمتلك الجنسين معاً هو السرّان الموجود بكثرة في المحيط الأطلسي والبحر المتوسط وبحار عديدة غيرها. فَسَرّان البحر المتوسط، أثناء أوقات البرود، يتسنّى له أن يفرز بويضات وما يقوم مقام الحيوانات المنوية في السمك، في الوقت نفسه. بينما سرّان الشواطئ الأميركية، بالعكس، يتكاثر بالتلقيح المتبادل. وعندما يتجامع فردان يلقّح ما يقوم مقام الحيوانات المنوية في السمك في كلٍ منهما بويضات الآخر، وعملياً يتصرف كلاهما معاً كذكر وأنثى. بتربية سمك السرّان المأسور في الأحواض، أمكن الوصول إلى نتائج باهرة، إذ تسنّى الحصول على أجيال عديدة من السمك طبيعية جداً، انطلاقاً من سمك نشأ في عزلة تامة، وكذلك من بيضة معزولة حالاً بعد وضعها. في أنواع أخرى من السمك، ليس أفرادها بالضرورة ذكوراً أو إناثاً طوال حياتها: بعضها، وإن اجتمع فيها الجنسان معاً، لا تمتلك أبداً في آن واحد أجهزة تناسلية مذكرة ومؤنثة فاعلة. وعندئذٍ تعد الحالة الجديدة انقلاباً في الوظائف التناسلية، ويُمضي السمك قسماً من وجوده كذكر والقسم الباقي كأنثى. وهذه الانقلابات تكون في أغلب الأحيان ملحوظة، إذ ترافقها تغيّرات في المظهر وأحياناً في الحجم.





وحسب الأنواع، تكون فترات التذكير والتأنيث متناوبة، مرات عديدة في الفرد نفسه، أو تحدث مرة واحدة فقط. وبين الأنواع التي ينقلب فيها الجنس وترافقه تغيّرات في المظهر والحجم، لا بدّ من ذكر سَمَك جيرال (كوريس جوليس) الموجود بكميّات وافرة في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، وكذلك بعض أنواع مماثلة منتشرة في جميع البحار المعتدلة المناخ والحارّة أيضاً. وهذه الأسماك تكاد تعيش عشرين سنة. وما دام سمك جيرال أنثى، يراوح لونه بين الأسمر والوردي وتكون جوانبه مخطّطة باللون الأخضر، وتتسنّى له القدرة على وضع بويضات يلقّحها السمك الذكر. بالمقابل، إذا كان الشريط الجانبي أحمر أو برتقالي اللون يمرّ الفرد في مرحلة الذكورة. وإلى جانب هذين النموذجين من الجنس، نصادف أفراداً أحجامها وألوانها متوسطة ومختلفة عن الأنثى بقدر ما تختلف عن الذكر. وهذه الأسماك المشتملة على الجنسين، لم تعد أنثى تماماً، ولم تصبح مكتملة الذكورة. فألوان سمك جيرال في الغالب متأثرة بحضور موادّ خاصة في الدم، وهرمونات تسيطر على تحديد جنسه وعلى تحوّله. فتبدّل الجنس الذي كان الاعتقاد يميل إلى حصره في بعض فئات نادرة من السمك، هو في الحقيقة منتشر في العديد من الأنواع. فسمك المرجان المذهّب مثلاً، هو ذكر عند نشأته، ويظل هكذا إلى أن يبلغ السنتين من عمره. بعد ذلك تبدأ أجهزته الأنثوية بالنمو ويصبح تحوّل جنسه تاماً اعتباراً من سنته الثالثة.





عموماً، هذه الانقلابات في الجنس متأتية عن حالة جمع الجنسين معاً، حيث يكون الجنسان متمثِّلين في الفرد الواحد. لكن، عوضاً عن أن يكون الجنسان مجتمعين في آن واحد، كما هي حال السمك الذي يحوي الجنسين معاً عادةً، فإنه يتمتع بهذه الميزة بالتتالي، وهذا ما يجعل الفرد معزولاً لا يستطيع تأمين تكاثره.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق