غرائب وعجائب

سر الأهرامات الغريب !

سر الأهرامات

رسم أبي الهول يتضمّن كل ما يلفّ الأهرام من ألغاز منذ آلاف السنين. اليوم أكثر من أي وقت مضى، علينا أن نتطلّع بنظرة جديدة إلى أجدادنا وحضاراتهم.

فقد آن الأوان بالفعل، لنتخلّص من نظرتنا التي لا ترتكز على أي أساس، وتعتبر أسلافنا كمتوحشين متأخرين، بما ينطوي ذلك عليه من الاحتقار. كثيرة هي الاختراعات التي تثبت أن للحضارات فنوناً وعلوماً لا نزال نجهل أسسها الرئيسية. الصفحات التالية تقدّم لنا بعض الأمثلة عن علم أجدادنا الذين خَلَقوا في العديد من مناطق الدنيا، مدنيات ومجتمعات متقدّمة أكثر ممّا افترضه رجل القرن الحادي العشرين حتى الماضي القريب. وهذا درس بليغ في التواضع.

ما هو السرّ الذي تخفيه الأهرام؟ نعرف اليوم أن الفراعنة أودعوا في الأهرام ما توصّل إليه علمهم في إنجازات لا نزال نجهل مصدرها وطرائقها. فيها نجد الحسابات الدقيقة المتعلقة بالسنة الشمسية، وتحديد شعاع الأرض ووزنها، واتجاه الشمال الحقيقي، وربّما الكثير من المعطيات الأخرى التي لم تحلّ رموزها بعد. فمن أين أتت هذه المعلومات؟ وكيف تمّ الحصول عليها؟ إن أعمق الأسرار الغامضة ربّما تكمن في بناء الأهرام بالذات. بالفعل، يبرهن تشييد هذه الأهرام على تقنيّة لا تزال في نظرنا غير مفهومة بتاتاً.















فهرم الجيزة هو جبل اصطناعي وزنه حوالى ستة ملايين وخمسمئة ألف طن، مكوّن من أحجار وزن كلٍ منها اثنا عشر طناً، وهي محكمة الرصف والقياسات إلى حدّ نصف مللمتر. أما أبسط فكرة وأكثرها انتشاراً عن تشييدها فهي أن الفرعون كان يتحكّم بأيدٍ عاملة جبارة لا تحصى ضخامة أعدادها. لكن في هذه الحالة، كيف حُلَّت مشكلة استيعاب كل هذه الجماعات غير المحدودة؟ وما هي الدواعي إلى القيام بمثل هذا العمل الجنوني؟ من جهة أخرى، كيف أمكن اقتطاع هذه الأحجار الضخمة من مقالعها؟ فعلم الشؤون المصرية القديمة لا يعترف كتقنية إلا باستعمال الأسافين الخشبية المبلّلة والمولجة في شقوق الصخر، والبنّاؤون لا يفترض بهم إلّا اقتناء مطارق حجر ومناشير نحاس وهو معدن رخو. ويزداد السرّ تعقيداً عندما نتساءل كيف أمكن أن تُرفع إلى علوّ شاهق أحجار منحوتة لا يقلّ وزنها عن عشرة آلاف كيلوغرام، وأن يلصق بعضها ببعض بإحكام.

هناك سرّ آخر غامض، هو: كيف كان قدماء المصريين يستضيئون داخل الأهرام؟ فحتّى القرن التاسع عشر، لم تعرف الحضارات البشرية وسيلة إنارة سوى القناديل التي يشرئب لَهَبها ويوشّح السقوف بالسواد، بينما لا يظهر على سقف الهرم وجدرانه أي أثر للدخان. لم يُعثر على أية أداة حساب علمية ولا أي أثر يدلّ على تقنيّة متقدمة تتيح إلقاء بعض الضوء على أحد الأسرار العديدة المحيطة بالأهرام. يعود تاريخ هذه الأمور إلى خمسة آلاف سنة مضت، ونحن لا نزال نجهل تقريباً عنها كل شيء. هل علينا أن نسلّم بأن المهندسين المعماريين والمزخرفين الوجوديّين، لكي يرضوا ما يسيطر على ملوكهم من حب العظمة، وحسب تدابير لمعت في رؤوسهم صدفة كالوحي، عملوا على استخراج ونقل وتزيين ورفع وضبط إلى حدّ نصف الميليمتر، حوالى ميلونين وستمئة ألف حجر، تكوّن الهرم الكبير بأيدي عمّال يستخدمون قطعاً من الخشب ومناشير الكرتون، وبعضهم يمشي على أرجل بعض؟ أم هل هناك فكر آخر يختلف عن فكرنا














ابتكر تقنية متفوّقة، وأجهزة قياس وطرائق معالجة للموادّ لا صلة لها بما نعرفه، ولم يترك أي أثر يقع تحت أنظارنا؟ يجوز أن يكون هناك علم أو تقنيّة قادرة وفاعلة وصلت إلى حلول غير ما لدينا، للمسائل المطروحة، واضمحلّت كلّيّاً مع عالم الفراعنة. لكن من الصعب أن نعتقد بأن حضارة متقدمة كهذه يمكنها أن تموت وتمحى، لا بل الأصعب أن نقبل بكونها تختلف عن حضارتنا إلى حدّ يجعل من العسير علينا أن نفهمها. وبينما الأهرام تظل منتصبة في أماكنها، لا تزال أسرارها مدفونة طيّ الرمال المصرية.

في أربعينيات القرن الماضي، زار الفرنسي السيد بوفيس، هرم خوفو، ولاحظ بِحَيرةٍ وهو داخل غرفة الموت الرطبة خاصّة، جثث القطط وسواها من صغار الحيوانات الميتة بدون شك بعد أن تاهت وتنقّلت في الدهاليز، ولم تُنْتِن بل جفّت وأضحت كالمومياء. تساءل السيد بوفيس عندئذ عمّا إذا كانت الهندسة المعمارية التي رسمت القبر وشكله ووضعه، قد استدعاها بكل بساطة، احتياط إضافي لمنع انحلال جسد الفرعون، إذا تبيّن أن التحنيط رغم فاعليته غير كاف لمنع الانحلال. لكن في هذه الحالة نظن أن الكهنة المصريين كانوا يمتلكون معرفة لا ندركها تتعلّق ببعض الموادّ، وبعض الأشكال وبعض خطوط القوة لها قدرة على تغيير عامل طبيعي كانحلال الموادّ العضوية. لاحظ الفرنسي بعنايةٍ تلك الصلات القائمة بين شتى قياسات الصرح، وكذلك اتجاهه. وكان أحد مستقيمات متوسط أساس الهرم ينطبق تماماً، بوجه التقريب، على الخط الشمالي الجنوبي.















وهذه دِقّة عجيبة، كما فكّر السيد بوفيس، وليست حتماً وليدة الصدفة. عند درس شتى وجوه المسألة، اهتدى إلى أن خصائص الهرم تكمن في شكله. فصنع تصميماً مصغّراً لهرم خوفو طول ضلع أساسه متر، ووجّهه نحو الشمال ثم وضع فيه جثة هرّ. بعد مدة معينة جفت الجثة. فأعاد الكرة في تجربته باستعمال مواد أخرى تفسد بسرعة، فجفّت بدورها. وتسنّى له حينئذٍ أن يستنتج أن في الهرم شيئاً يمنع الانحلال ويسبّب الجفاف السريع. تواصلت الأبحاث وأتاحت الوصول إلى بدء تفسير غموض هذه الظاهرة: كل محتوي يحدّد حجماً، ويعيّن

فضاءً له شكله. وحسب السيد بوفيس، كل تطوّر فيزيائي أو كيميائي أو أحيائي في المادة، يجري في فضاء ما، يتغيّر بعامل شكل هذا الفضاء. لماذا؟ هذا لا يزال مجهولاً. لكن الملاحظ أن استعمال أشكال خاصة يسهّل الإسراع أو الإبطاء في سير الأمور.

وانطلاقاً من هذا التحليل، سجّلت شركة فرنسية تنتج آلات صناعة اللَّبَن، جهازاً يساعد شكله الخاص على التعجيل في تخمير الحليب. وفي كندا شيّد مهندسون معماريّون مستشفى للأمراض النفسية يتضمّن قاعات ومماشيَ أشكالها خاصة غير مألوفة، من شأنها، كما أكّدوا، أن تؤثر خيراً على المرضى بخلقها جوّاً سليماً جداً. كل هذا لا يزال غير مكتمل. وعلى كل حال، ليس من شخص يستطيع اليوم أن يثبت هذه الظاهرة بالتأكيد أو أن يقدّم شرحاً، مهما كان قليل التماسك. وما لا يحتمل أي شك، هو أن المصريين القدماء لا بدّ من أن يكونوا قد امتلكوا عِلماً رفيعاً، في كثير من المجالات، لا نكاد نفطن له.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق