وجهة نظـــر

تعالو نعيد اختراع العجلة

المشكلة الحقيقية أني أنا وأنتم جميعًا لم نكن موجودين في بداية الليلة.. عندما جلس مجموعة من البني آدمين الأوائل على كوكب الأرض ليصيغوا الطريقة التي سوف نتعامل بها مع بعضنا البعض بعد ذلك على سطح ذلك الكوكب التعس الذي يمثل ملاذنا الوحيد في هذا الفضاء الكوني.. حيث أكاد أجزم أن من جلسوا للاتفاق على ذلك العقد الاجتماعي لم يكونوا ليتصوروا أن من سوف يجيئون بعدهم سوف يتعاملون مع تلك القواعد المنظمة للحياة كحقيقة أزلية وكقواعد ثابتة لا تقبل التغيير.. وعند تلك النقطة تطل لنا برأسها تلك الكلمة السرمدية.. حرية.. القيمة الأعمق والأهم والتي دفعت القطيع البشري ـ الذي قام بتعطيل عقله استنادًا إلى أن التصرف زي باقي الناس ما بيتصرفوا أسهل بمراحل من التفرد ومحاولة إبداع طرق جديدة خاصة للحياة ـ إلى نبذها والتعامل معها كالعدو رقم واحد الذي يهدد أمن وسلام ذلك العقد الاجتماعي المزعوم الذي صاغه في مطلع الحياة مجموعة من البشر لا نعرفهم ولا نعرف حتى إن كانوا محترمين أم شلحلجية..

أخبر أي تقليدي قادم لنا من عصور الكهف عن رؤية جديدة للحياة ثم دعه بعدها لغضبه وتوتره وخوفه ورهبته وانزعاجه من أي تغيير قد يحدث في المنظومة العامة للحياة التي قد سستم نفسه عليها وقام بتعطيل خلايا مخه المسؤولة عن التفكير والإبداع واتخاذ القرارات اتكاءً على أنه «هو كده وخلاص».. ومن منطلق أنه «إحنا يعني مش حنعيد اختراع العجلة».. جمل أكلشيهية لو فكر قائلها قليلًا لاكتشف أن اختراع السيارة في الأساس ما هو إلا إعادة اختراع للعجلة.. أي نعم هو يعد تطويرًا للاختراع أكثر منه اختراعًا متفردًا.. ولكن تصوروا معي لو لم يجئ شخص في وقت سابق ليفكر في الاستفادة من تلك العجلة ذات الشكل الدائري وإعطائها قدرًا أكبر من السرعة عن طريق تزويدها بموتور.. ثم التفكير في تصميم شكل السيارة القابعة فوق أربع عجلات يتم تحريكها بشكل آخر غير ذلك الشكل المتعارف عليه في البداية عن طريق ربط العجلات بالخيول ليشدوها خلفهم أو عن طريق التبديل بالأرجل كما هو الحال في العجلة العادية..

لو لم يفكر شخص في وقت من الأوقات خارج الصندوق ولو لم يقرر شخص إعادة اختراع العجلة لما كانت هناك سيارات ولا قطارات.. إذن مافيش حاجة اسمها إحنا يعني مش حنعيد اختراع العجلة.. لأ.. حنعيده.. لأن غيرنا في أزمنة سابقة أعادوه بالفعل.. ولأن اختراع السيارة ما هو إلا إعادة اختراع للعجلة.. واختراع الموبايل ما هو إلا إعادة اختراع للتلفون.. واختراع كاميرا السينما التي تحتفظ داخلها بالصورة المتحركة ما هو إلا إعادة اختراع لكاميرا الفوتوغرافيا التي تحتفظ داخلها بالصورة الثابتة.. واختراع السينما ثلاثية الأبعاد ما هو إلا إعادة اختراع للسينما العادية.. إن مجرد اختراع طاسة تيفال اللي الأكل ما بيلزقش فيها ما هو إلا إعادة اختراع للطاسة العادية.. واختراع المدفع ما هو إلا إعادة اختراع للمنجنيق.. واختراع المسدس ما هو إلا إعادة اختراع للمدفع بس على صغير.. كل الأشياء في ذلك العالم ما هي إلا إعادة اختراع لأشياء أخرى.. ولو كان العالم قد توقف أمام تلك الجملة المحبطة بتاعة «إحنا مش حنعيد اختراع العجلة» لما كان هناك شيء قد تطور في حياتنا.. وما يسري على العجلة هو نفسه ما يسري على ذلك العقد الاجتماعي المزعوم الذي اتفق عليه في مطلع التاريخ شوية بني آدمين ما نعرفهمش ولا نعرف همه مين ولا نعرف مين اللي كلفهم بكده..

ثم كبرنا ونحن نتناقل تلك البنود التي اتفق عليها ناس غيرنا مع ناس قبلنا والاتنين ما نعرفهمش.. نتناقلها وخلاص.. بدون أن نفكر مرة واحدة في إعادة التفكير في ما لا يتناسب معنا ولا مع طريقة تفكيرنا من تلك البنود اللي مالناش دعوة بيها والتي لم يسألنا أحد عن رأينا فيها وغير الممهورة بإمضاء موافقتنا عليها.. وبناءً عليه.. تعالوا نعيد اختراع العجلة ونتعامل مع الحياة بشكل مختلف.. شكل يعتمد على ما نريد نحن لحياتنا أن تكون عليه.. لا على ما يريده لنا الآخرون. يقول جبران خليل جبران: «تتنفس الأرض فنولد ثم تسترجع أنفاسها فنموت».. لهذا ما بين تنفس الأرض واسترجاعها لأنفاسها كونوا فقط أنفسكم.. لا أكثر ولا أقل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق