وجهة نظـــر

العرض لابدّ أن يستمر ..

العرض لابدّ أن يستمر ..

أطفأ المواطن صفر التلفزيون بعد ثلاث سنوات من التشغيل المستمر.. أطفأ أنوار الكهرباء وفتح شيش البلكونة ليسمح لنور الشمس بالولوج إلى الداخل.. نقر علامة «بلاي» أسفل أيقونة «Violin concerto N. 5 by Mozart» على «اليوتيوب».. حاول أن يسمح لنفسه بالشعور بالهدوء قليلًا تاركًا كمانجات «موزار» تتخلل خلايا عقله وتسري عبر مسام جلده.. أشعل سيجارة.. سمح لصدره بالحصول على نسبة الضرر المناسبة قبل أن يدع جزءًا من الضرر يغادر جسده عبر فتحتَي أنفه على هيئة سحابات من الدخان تركها لمصيرها المحتوم في مواجهة خيوط الدخان الساخن المتصاعدة من فنجان القهوة الذي حرص على أن تأتي رشفته الأولى منه متزامنة مع السماح لفائض الدخان بمغادرة جسده..








الآن اختلط خيطا الدخان ولم يعد أحد قادرًا على التمييز بين أيهما خيط دخان السيجارة وأيهما خيط دخان سخونة القهوة.. حلقة شاردة من الدخان تائهة في فضاء الصومعة تشي بأن العلاقة السريعة والخاطفة بين خيطَي الدخان قد أسفرت عن ذلك الشكل الدائري الدخاني الشبحي غير الثابت الذي يتراقص أمام المواطن صفر ببطء في الفضاء قبل أن يتبخر ويختفي في ثوانٍ وكأنه لم يوجد أصلًا. عندما ضبط المواطن صفر نفسه متلبسًا بالوصول إلى تلك النقطة في التفكير وبالاسترسال في تلك الخيالات الدخانية الكونية لعلاقة بين خيطَي دخان أثمرت جنينًا دخانيًّا سرعان ما ظهر ثم سرعان ما اختفى تأكد أن إضاءة الشمس بدأت في السريان بداخل أنسجته وأن كمانجات «موزار» بدأت تؤتي أُكُلَها وأن كل تلك الحلقات من الدخان صنعت له دهليزًا ـ أشبه بالدهليز الدائري الضوئي بتاع مدخل «فاميلي لاند» اللي في المعادي ـ يعبر خلاله من الصومعة إلى داخل عقله.. رشفة أخيرة من القهوة حرص المواطن صفر على اصطحابها معه في رحلته بداخل خلايا مخه عبر شفطها من الفنجان بتأنٍّ واستطعام.. قفز بعدها بداخل الدهليز الدخاني الدائري الضوئي من خارج دماغه إلى داخلها. «كل جنين وهو في بطن أمه بيبقى عارف كويس هو جاي الدنيا ليه..








فيه صوت خفي طول الوقت بيلقنه السبب اللي حيطلع للدنيا علشانه والهدف اللي المفروض ينفذه.. بس بمجرد ما بيطلع من بطن أمه للعالم الخارجي بيتخض ويتوه وينسى السبب اللي بقاله تسع شهور فيه صوت خفي بيلقنهوله».. كان ذلك هو رأي إحدى صديقات المواطن صفر أثناء جلسة نقاش بدأت بالعمل وانتهت بالتحليق الفلسفي الحر وبتأمين المواطن صفر على رأيها.. استمع إليه أثناء عبوره بجانب إحدى خلايا الذكريات بداخل مخه.. استدعاها الارتباط الشرطي مع الجنين الدخاني المتراقص في فضاء الصومعة.. انحناءة مع إحدى الزوايا بداخل المخ يجد نفسه بعدها أمام منطقة خلايا التحليل والتفسير وتنقيح الفكرة.. يقف أسفل شلال تتساقط فيه الأفكار ذات العلاقة بالفكرة فوق رأسه: «تقريبًا دا السبب في حالة الحزن الدفين اللي عند البني آدمين ومش معروف لها أسباب واضحة لغاية دلوقت.. بدليل إن أجمل مشهد بنحبه كلنا كبشر هو أكتر مشهد حزين في اليوم.. مشهد الغروب.. وكل حياتنا بعد كده بتبقى عبارة عن رحلة بحث بندوَّر فيها على السبب اللي نسيناه أول ما اتولدنا.. وكل ما بنكبر أكتر بنبعد عن السبب أكتر.. وما بنفتكرهوش إلا لما الصوت الخفي يرجع بعد طول غياب يوشوشنا بيه تاني ويلقنه لينا زي زمان لما كنا أجِنَّة.. وساعتها بنحس مع الوشوشة بأشعرة غريبة في جسمنا.. وببرودة غريبة.. وبنشوف ناس بتعيط من حوالينا وناس بتدخلنا مكان غريب وبتقفله علينا وتمشي.. وبنفتح عيونَّا بعدها بنلاقي نفسنا محاطين بسائل لزج ومتكعورين على نفسنا زي الأجِنَّة..








ونفس الصوت الخفي عمال بيوشوشنا تاني بنفس السبب اللي نسيناه في حياتنا السابقة.. لحد ما نلاقي الباب بيتفتح تاني وإيد بتسحبنا من رجلينا تطلعنا لعالم غريب.. أول ما بنشوفه بنتخطف.. وبنتخض.. وبننسى السبب تاني.. فبنصرخ ونعيط.. فالناس اللي حوالينا ينبسطوا ويطمنوا إننا بخير وإن كله تمام.. وفي نفس الوقت الصوت الخفي ينبسط هو كمان ويطمن إن السر لا يزال مجهولًا وإن اللعبة لا تزال مستمرة وإن العرض لا يزال متواصلًا!». في طريق عودته إلى منطقة وسط بلد المخ.. كانت الأفكار لا تزال تجول في خاطره متصلة بموضوع التفكير: «ربما لهذا السبب نعتبر أن لعدم صراخ الجنين بعد ولادته مباشرةً دلالة سيئة معناها أن حياته في خطر.. أو ـ إذا شئنا توخي الدقة ـ معناها أن سر اللعبة في خطر.. لهذا يقلبه الدكاترة وهم يضربونه على مؤخرته في محاولة منهم لتوقيع السبب من دماغه حتى يصرخ.. وفي ذلك الوقت لا يوجد أمام الجنين سوى أحد خيارين.. إما الإصرار على عدم نسيان السبب وعدم الصراخ مما يعني الموت..








وإما نسيان السبب ثم الصراخ مما يعني الحياة.. المهم ما حدش يعرف السر.. تلك هي اللبنة الأساسية التي تقوم عليها حياتنا بأكملها!». «كهربا».. يُفيق الصوت الآتي من على البعد والمختلط بصوت خبطات على الباب المواطن صفر من خيالاته ومن جولته بداخل خلايا مخه.. فيندفع عائدًا بسرعة عبر دهليز الدخان الدائري من داخل دماغه إلى الصومعة.. يفتح الباب.. يلقي محصل الكهرباء نظرة على العداد.. يعقبها بإعطاء المواطن صفر وصل الكهربا بطريقة آلية.. يدفع المواطن صفر المبلغ المكتوب في الفاتورة للمحصل بطريقة آلية هو الآخر.. ومع إغلاقه للباب.. يتصاعد صوت التصفيق عبر السماعات مع إنزال «موزار» للقوس من على الكمانجة.. بينما يشعل المواطن صفر سيجارة جديدة.. ويقوم بعمل فنجان قهوة جديد.. ويسمح لعلاقة دخانية جديدة بين دخان السيجارة ودخان سخونة القهوة بأن تنشأ.. ويسمح لحلقة دخان جديدة بأن تولد.. لتتوه في فضاء الصومعة قليلًا.. مجرد ثوانٍ معدودة.. قبل أن تتبخر وتختفي.. وكأنها لم توجد أصلًا!








الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق