وجهة نظـــر

الحقيقة والحريقة | أروع ما ستقرأه في حياتك !

الحقيقة والحريقة | أروع ما ستقرأه في حياتك !

الحريق.. أي حريق في العالم يحتاج لكي ينشب إلى توافر ثلاثة عناصر رئيسية يتكون منهم ما يمكننا أن نطلق عليه مثلث النار: مادة قابلة للاشتعال وأكسجين ومصدر إشعال.. «مادة قابلة للاشتعال»؛ أخشاب وأوراق وغابات ومزارع وأي شيء يمكن أن يشتعل بسهولة.. و«أكسجين»، موجود كده كده في الجو.. مش حنشتريه.. وأما «مصدر الإشعال» فهو العنصر الذي يمكننا تبعًا له تقسيم الحرائق إلى نوعين رئيسيين: حرائق نشطة وحرائق خامدة. الحرائق النشطة.. وهي التي يكون مصدر الإشعال فيها هو ما نعرفه جميعًا.. عود كبريت أو ولاعة أو حتى عُقب سيجارة يأخذ منها البطل نفسًا أخيرًا قبل أن يطوحها وراءه وهو ينفث الدخان من فمه بصياعة تاركًا المبنى في خلفية الكادر ينفجر ويحترق براحته بينما يتقدم في طريقه تجاهنا عبر الشاشة بثبات وقوة وعدم اكتراث وتَجرَمة.. وهذا هو النوع المألوف من الحرائق والذي نعرفه جميعًا.. أما النوع الآخر فهو الحرائق الخامدة.. وهو النوع الأخطر والأكثر تدميرًا والذي لا يحتاج إلى أي نار أو مصدر إشعال لكي ينشب..








حيث يكون مصدر الإشعال فيه هو ارتفاع درجة حرارة بعض المواد الكيميائية الخاصة التي نرشها في المكان الذي نود إحراقه قبل أن نغلقه جيدًا.. مع إغلاق المكان ومنع وصول الأكسجين إليه ترتفع درجة حرارة المواد الكيميائية التي رششناها ليصبح المكان أشبه بقنبلة نارية موقوتة كل ما تحتاجه لكي تنفجر هو القليل من الأكسجين الذي يكفي جدًّا لتوفيره أن يفتح أحدهم باب المكان.. ثوانٍ بعدها وتندلع النار بشكل مفاجئ وقوي وخاطف في وجه المسكين الذي فتح الباب.. تندلع النار بقوة يمكنها أن تقذف من يقف في وجهها إلى الوراء من الوضع طائرًا على ظهره.. ليصبح الحريق وقتها أشبه بتنين خرافي يكمن لك في الصالة.. وينتظر أن تفتح الباب ليفاجئك نافثًا نيران غضبه في وجهك على نحو لا يسمح لك بالتفكير في مخرج من هذا المأزق.. وتلك هي خطورة هذا النوع من الحرائق.. إنه مع كل ارتفاع طفيف في درجة حرارة تلك المواد الكيميائية يكون الحريق قد قطع شوطًا في اشتعاله بالفعل.. ولكن بدون اشتعال وبدون ألسنة لهب وبدون نيران وبدون ما حد ياخد باله.. يشتعل الحريق في السكرتة.. ويواصل اشتعاله في الخباثة بشكل هادئ ومتسلل ومتحفز وغير مرئي على الإطلاق..








الحريق في هذه الحالة وكما أخبرتكم من شوية تنين غاضب يجلس في الصالة بانتظاركم.. ليفاجئكم! على كوبري قصر النيل يصبح المشهد دراميًّا وحزينًا ومؤثرًا تمامًا بشكل لا ينقصه سوى صوت كمانجة مجروحة في الخلفية.. أولاد وبنات زي الفل وأغلب من الغُلْب يصطفون على جانبَي السور الحديدي للكوبري.. بينما تتخذ أجسادهم في وقفتهم تلك شكلًا أقرب ما يكون إلى التوائم الملتصقة.. ظَهرهم للسيارات والكوبري والمجتمع والناس ووجههم للنيل.. يجتاحك شعور جارف وعميق بالانبساط والرثاء في آنٍ.. الانبساط لكون طيور الحب الجميلة ترفرف فوق كوبري قصر النيل على الرغم من كل هذا التلوث الذي تمتلئ به سماء القاهرة الجميلة.. والرثاء لكون تلك الطيور غير قادرة على الرفرفة براحتها.. فها هي التوائم الملتصقة (الأولاد والبنات) تملأ جانبَي الكوبري.. يحاول كل منهم الاقتراب أكثر من الآخر ولمسه بشكل مستتر لا يؤذي مشاعر أفراد المجتمع المتخربأ العابرين من فوق الكوبري وهم يرمقون تلك التوائم الملتصقة بنظراتهم النارية والحاقدة والمغلولة.. بينما كوع الولد من دول ملتصق بجسد الفتاة من منطلق أنه «اللي ماتطولوش الإيد..








من الممكن الشعور به من خلال الكوع».. يتصاعد الشعور بالرثاء والحزن مع تصاعد صوت الكمانجة المجروحة مع تقطيعات على أعينهم التي يحتل دوائر سوادها اختلاط لوني الأحمر والأصفر.. ألوان حريق الرغبة المكبوتة والمدفونة بداخلهم منذ هبوط آدم وحوا على كوكبنا الأرضي العزيز منذ عدة ملايين من السنين.. تلك الرغبة ينبغي أن تظل مدفونة بداخل الأولاد والبنات حتى إشعار آخر ولأجل غير مسمى ولفترة لا أحد يعرف مدتها بالظبط.. وهذا طبعًا لضمان عدم إفساد المناخ النظيف الذي ينبغي علينا أن نشمه وعدم تلويث صفاء الجو الأخلاقي الذي نتنفس أكسجينه.. بعد تلك الوقفة الرومانسية وتلك التحنيسة الجنسية وتلك الشعلقة فوق الكوبري تنفصل التوائم الملتصقة بشكل أوتوماتيكي.. ليذهب كل نصف منهم إلى أرض واقعه ويعود إلى بيته ليستمع إلى كلمتين التقطيم بتوع التأخير.. بعدها يدخل كل منهم إلى غرفته ويغلق بابها عليه.. ويسترجع بخياله تلك اللحظات السحرية التي سوف تظل مشاهد اكتمالها محض خيال إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.. ويحاول عن طريق هذا المحض من الخيال إكمال المشاهد على طريقته الخاصة. المهم أن يظل ثوب المجتمع نظيفًا وعفيفًا وشريفًا وطاهرًا ونقيًّا وخاليًا من أي بقعة كده ولا كده..








المهم ألا تطال جسد مجتمعنا الجميل يد التلوث الأخلاقي والفساد القيمي والانحلال المنظومي والخلل الديناميكي.. المهم أن يبيت الجميع ليلتهم سعداء على أساس أن كله تمام.. ولتذهب تلك الحرائق المشتعلة في صدور وأدمغة وأوض الولاد والبنات إلى الجحيم. (كما أخبرتكم.. تلك المادة الكيميائية الخاصة المرشوشة على حوائط وأرضيات مجتمعنا المتخربأ الجميل ومع طول إغلاقه وانغلاقه سوف تواصل ارتفاع درجة حرارتها وسوف تبدأ فعاليات الحريق بالفعل ولكننا لن نراه في وقتها.. وفي اللحظة التي نطمئن فيها إلى عدم اندلاعه سوف يأخذنا على حين غرة.. ويندلع فجأة)! على الـ«facebook».. تبعث لي فتاة بفريند ريكويست.. أدخل إلى بروفايلها.. أنقر «photos».. تطالعني صور كثيرة لـ«جنيفر لوبيز» و«ريحانا» و«بريتني سبيرز» وإليسا وسمية الخشاب ومي عز الدين.. وفي النهاية خالص صورة واحدة ووحيدة للفتاة صاحبة البروفايل.. ولكن الصورة تبدو سوداء تمامًا.. أضغط عليها لتكبير الصورة إلا أنها لا تزال سوداء.. أدقق النظر أكثر فيبدأ تكوين الصورة في الاتضاح بشكل تدريجي.. الصورة لفتاة منقبة تمامًا.. ترتدي نقابًا لا يحتوي حتى على فتحة للعينين.. فقط شريط أسود شفاف مكان العينين بينما تقف فاردة ذراعيها بجانبها..








تُرى ما الذي تعنيه مثل هذه الصورة بالنسبة لتلك الفتاة؟! وهل تعتبرها صورتها بالفعل؟! وفي حالة ما إذا رأى أخوها مثلًا تلك الصورة هل سيستطيع التعرف عليها وهي أخته؟! أيًّا كان.. المهم.. أسفل الصورة كانت هناك الكثير من التعليقات لصديقات الفتاة.. بنات كثيرات صور بروفيلاتهن لا تحتوي على أي صور شخصية.. جميع البروفايلات تحتلها صور ممثلات ومطربات أو صور لأي بطل بيبوس أي بطلة من أي فيلم.. جميعهن يهنئن صديقتهن على ارتداء النقاب.. ويباركن لها على الهداية.. ويدعين لها ولهن أيضًا بالهداية.. وبصرف النظر عن ضغطي لـ«ignore» ردًّا على هذا الـ«friend request» العجائبي.. قد تكون تلك الفتاة الآن منهمكة في عمل «browse» لصورة جديدة لـ«مونيكا بيلوتشي» مثلًا لوضعها على بروفايلها.. بينما قد تختتم جلسة أعمالها الفيس بوكية لهذا اليوم بالانضمام إلى جروب ١٠ مليون أكاونت لنصرة الرسول «صلى الله عليه وسلم».. بعدها تنام الفتاة راضية مرضية بينما دماغها متسق تمامًا مع المجتمع النظيف الذي تعيش فيه.. لهذا.. دماغها هي أيضًا نظيف.. نظيف تمامًا من أي شيء. (لاحظوا أن درجة حرارة المواد الكيميائية لا تزال تواصل ارتفاعها)! في التاكسي.. كان السائق ينفث دخان سيجارته بغضب وامتعاض من نفسه ومن الزحام ومن العالم..








انتهى القرآن من الراديو وبدأ المذيع يعلن أنه: «تلتقون الآن مع البرامج التعليمية الأزهرية».. لَفَت نظر السائق إلى أن القرآن قد انتهى.. وإلى أن اللي حيشتغل دلوقت البرامج التعليمية الأزهرية.. لَفَتُّ نظره إلى أني لست طالبًا أزهريًّا.. وخمنت أنه أيضًا ليس طالبًا أزهريًّا.. واختتمت قائمتي للفت نظره بأنه: «حيبقى أحسن بكتير لو جبت قناة الأغاني مثلًا.. أو طفيته خالص».. نظر لي السائق المسكين بحسرة وهو يهز رأسه ويخبرني بتقطيم: «دي إذاعة القرآن الكريم يا أستاذ.. أستغفر الله العظيم».. فأخبرته: «ودي برامج تعليمية يا معلم.. مش قرآن كريم».. مع إنهائي للجملة كانت سيارة ملاكي تكسر عليه من جهة اليسار.. بعدها بحوالي ٣ فيمتوثانية كانت رأس السائق خارج الشباك.. لم أتعجب من كونه قام بسب الدين للسائق الذي كسر عليه بقدر تعجبي من ملامح وجهه المُصدِّقة تمامًا لما يفعله بينما يقوم بتعلية الراديو على البرامج التعليمية الأزهرية ويشعل سيجارة وهو ينفث دخانها بغضب.. عندها.. كان الفايل الخاص في مخي بالتعامل مع تلك القطعية من البني آدمين الذين يجلل هاماتهم عار الجهل وخطيئة عدم الفهم قد استقر في موضعه في مقدمة دماغي وبات مستعدًّا للتعامل.. نقرة لا شعورية على زر تفعيل برنامج «التعامل العَوَء» في دماغي..








كنت بعدها مستعدًّا للإجهاز على ما تبقى للمسكين من أعصاب لم تحترق بعد.. وبمنتهى البرود والهدوء امتدت يدي إلى الراديو.. وأطفأته وسط دهشته التي جاءت على هيئة صمت وخطفه ثم بدأت إخباره ببعض الحقائق المنطقية.. أخبرته أنه لا يحق له إجباري على الاستماع إلى البرامج التعليمية الأزهرية كما أخبرته أن القرآن الكريم ليس بخورًا يشعله في التاكسي فربنا يكرمه.. وأخبرته أيضًا أن القرآن حيبقى أجمل بكتير لو فهمه واستوعبه.. مش لو شَغله على سبيل البركة وخلاص.. وفي النهاية قمت بلفت نظره إلى أنه لسه سابب الدين من شوية.. وعندها.. كان المكان الذي ينبغي لي أن أنزل فيه قد جاء.. نفحته أجرته وتركته غير مأسوف عليه وأنا أشيع مؤخرة سيارته بنظرات رثائي له وإشفاقي عليه. (وكما أخبرتكم من قبل.. في حالة المواد الكيميائية التي ترتفع درجة حرارتها في الأماكن المغلقة بسرعة لا تصبح هناك حاجة لاستخدام مصدر إشعال.. فذلك الارتفاع في درجة الحرارة هو في حد ذاته مصدر الإشعال.. وكل ما يحتاجه الحريق لكي يندلع هو فتحة باب صغنتوتة تسمح بدخول القليل من الأكسجين)! عزيزاتي وأعزائي كل أفراد الأسرة المصرية غير السعيدة والمثقلة بالهموم والديون والمشاكل.. عزيزاتي وأعزائي كل أفراد مجتمعنا المتخربأ العزيز الذين يعشقون السينما النظيفة ويفرحون عندما ترتدي ممثلة الحجاب إلا أنهم يذهبون لمشاهدة أفلام الممثلات غير المحجبات.. الذين صعدوا بأفلام «إسماعيلية رايح جاي» و«صعيدي في الجامعة الأمريكية» و«اللمبي» إلى قمم الإيرادات في تاريخ السينما المصرية بينما لم يسمحوا لأفلام داوود عبد السيد ومحمد خان وخيري بشارة وأسامة فوزي بالوصول إلى نفس تلك القمم من الإيرادات.. المؤمنون تمامًا بينما شوارعهم تعج بالقمامة (على أساس إن النظافة من الإيمان)..








بتوع الوحدة العربية (الذين اكتشفوا فجأة خدعتها بعد ماتش كورة وشوية ثورات).. بتوع الوحدة الوطنية (الذين يتعاملون مع بعضهم البعض من منطلق اللي في القلب في القلب).. الذين ترتدي بناتهم الحجاب لأسباب لها علاقة بأن كل بنات الشارع اتحجبوا و«اشمعنى بنتنا؟» أو بأن الإيشارب قد تعدى كونه حجابًا ليتحول إلى زي رسمي وكل البنات بتلبسه.. وغالبًا ما تأتي رغبة البنت الحقيقية في ارتداء الحجاب في مؤخرة قائمة أسباب الحجاب الحقيقية.. عزيزاتي وأعزائي كل أفراد المجتمع المصري المتخربأ والجميل.. الذين تتمركز معظم تصرفاتهم وقراراتهم حول محور رئيسي يتمثل في أنه «الجيران حيقولوا علينا إيه؟!».. عزيزاتي وأعزائي.. دعاة الأخلاق صباحًا وأصحاب أعلى نسبة مشاهدة لقنوات «ميلودي» مساءً.. إن كل ما تحتاجونه فقط هو أن يصارحكم أحد بالحقيقة المُرَّة.. كل ما تحتاجونه أن يضع أحد وجهه في وجهكم ويقولها لكم صريحة وبكلمات مقتضبة: «أنتم كَدَّابين تمامًا وغير أخلاقيين على الإطلاق ومتناقضين بشكل عبثي وبتمثلوا طول الوقت على نفسكم وعلى الناس!». عزيزاتي وأعزائي كل أفراد المجتمع المتخربأ والمتناقض والعبثي.. احترسوا.. ففي هذا النوع من الحرائق الخامدة ـ كما أخبرتكم ـ لا يحتاج الحريق إلى نار لكي يشتعل حيث إنه مشتعل بالفعل كتنين غاضب يكتم ألسنة لهبه بداخله في انتظار اللحظة الحاسمة.. لحظة فتح أحدكم للباب المغلق.. لينفجر غضبه في وجوه الجميع.. وعندها لن تترك المفاجأة مجالًا لتدارك الأمر.. وحتى ذلك الحين.. التنين الغاضب بألسنة لهبه المكتومة يكمن في هدوء وصبر وتحفز في مقدمة الصالة.. بانتظاركم!








الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق