مخيف ومرعب

الاسترفاع !

الاسترفاع، أي ارتفاع الأجسام في الهواء بدون أي مرتكز، هو ربّما أسهل ممّا نظن. على كل حال، هذه الظاهرة لم تلبث أن أدهشت الضيوف المجتمعين في منزل تاجر الحرير ورد شاني في آب 1852 في ولاية كنتكي (الولايات المتحدة). كان دانيال دوغلاس هولم الوسيط البالغ من العمر تسعة عشر ربيعاً، في عداد المدعوّين، وقد لقي مغامرة لم يعرف نظيرها قبلاً، ولم يشاهدها ولن يشاهدها أحد من الأشخاص الحاضرين. فلقد ارتفع عن الأرض. وشاء الحظ أن يعاين الحادث شاهد موثوق وصحافي رصين هو ف. برّ، رئيس تحرير جريدة «هرتفورد تايمز» الذي كتب: «بغتةً وبدون أن يتوقّع الحاضرون، ارتفع هولم في الهواء. فدسست قدميه، وكانتا على ارتفاع ثلاثين سنتيمتراً عن الأرض، فوجدته يهتزّ من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه. وارتفع مرات عديدة، وفي ثالث مرة بلغ السقف الذي لامسته يداه وقدماه برفق تامّ». قام د. د. هولم في ما بعد بهذا الإنجاز بحضور المئات بل الآلاف من المشاهدين، أشهرهم الأمبراطور نابوليون الثالث والكاتب الأميركي مارك توين. وتمكّنوا جميعاً من ملاحظة تحدّي قانون الجاذبية عبر هذه الظاهرة المدهشة، إذ لم يكتفِ بالارتفاع عن الأرض، بل جعل طاولات كانت بجانبه تسبح في الهواء (بدون أن تتحرّك الأشياء الموجودة عليها كأنها ملتصقة بها)، وراحت المفروشات الثقيلة الوزن ترتفع وتتنقّل أيضاً في أنحاء الغرفة.

أما ما جعل دانيال دوغلاس هوم فريداً في تاريخ ارتفاع الأشياء في الهواء بموجب الاسترفاع، فهو بكل بساطة كثرة الشهادات التي تعترف بمهارته. وقد حصلت هذه الظواهر طوال فترة أربعين عاماً، غالباً في وضح النهار وتحت أنظار كل من عاش في محيطه. وبرغم الحملات الانتقادية العنيفة وكثرة غير المصدّقين، لم يستطع أحد أن يضبطه متلبّساً بخطأ. ففي تموز 1871، حظي بإعجاب وليم كروكس، أحد مشاهير علماء ذلك العصر، الذي نال في ما بعد لقب فارس، وأضحى رئيس الجمعية البريطانية لتشجيع العلم. فكتب في المجلة الأسبوعية العلمية الأسبوع العلمي: «الظواهر التي أتمنى أن أثبتها هي في الواقع خارقة، وتناقض أكثر المبادئ العلمية رسوخاً. ولمجرّد ذكر تفاصيل مشهدها الذي حضرته شخصياً بتوزّع ذهني بين العقل الذي يحكم بأن هذه الأمور مستحيلة، والتأكيد بأن حاسّتيْ نظري ولمسي لا يسعهما أن تخدعاني». وكان ردّ فعل علماء ذلك العهد يقضي بدحض ملاحظات وليم كروكس. أما داروين فصرّح بأنه لا يستطيع أن ينفي تأكيدات كروكس ولا أن يؤيّد تقريره. مع أن أعمال هولم إذا نظرنا إليها بعد الرجوع قليلاً إلى الوراء، نجد أنها ليست سوى برهان على صحة المواهب البارزة الخاضعة لتقليد قديم، وإن يكن حدوثها متقطعاً. فالاسترفاع ممارس منذ أقدم العصور، ولدى جميع الشعوب. في منطقة شبْتن ماليت في غرب إنكلترا، وُجِد هنري جيمس البالغ من العمر اثنتي عشرة سنة «مسكوناً» في عام 1657. وفي كثير من المناسبات وعلناً في هذه السنة، ارتفع عن الأرض بوسائله الخاصة ولامس السقف براحتيْ يديه. ومرة أخرى طار حوالى عشرين متراً، مارّاً فوق جدار الحديقة.

بعد فترة قصيرة، أُحيل هولم على التقاعد. فحققت وسيطة شهيرة اسمها أوزابيا بالادينو الظاهرة العجيبة نفسها، تحت أشدّ الرقابة، وهي موثقة إلى مقعد، يشاهدها حضور كبير، ونجحت في ترقيص كل ما كان من أشياء في الغرفة، ورفعها في الهواء أمام عيون المراقبين، وهي فلّاحة صغيرة في منطقة نابولي (إيطاليا). وتكللت هذه الاختبارات بالنجاح طوال سنين عديدة. وأثناء آخر تجاربها، سهّل لها الخداعَ تراخي المراقبين، فلم تتردد في الاستفادة. لذلك شجبت جمعية الأبحاث الفيزيائية استحقاقاتها السابقة التي لم تكن تقبل أدنى شك. قدّيسون مارسوا الاسترفاع من مئتين وثلاثين قديساً كاثوليكياً نُسبت إليهم ممارسة الاسترفاع أي الارتفاع في الهواء، بإرادتهم أو بدونها، هناك عدد منهم يصعب إنكاره. أما بالنسبة إلى تيريز أفيلا، فجاء ذلك سبباً لتطويبها، ويوميّاتها تروي ما يأتي: «عندما حاولت أن أبدي ممانعة أحسست بأن قوة هائلة تدفع رجلَيّ إلى أعلى… وأعترف بأني شعرت بخوف شديد ولا سيّما في البدء، إذ إن رؤية الإنسان جسمه يرتفع عن الأرض، كأن الروح المتعالي يشدّه إليه (ويرعاه برفق عجيب، في حال عدم المقاومة)، لا تدع مجالاً لفقدان الوعي. على الأقلّ، كنت لا أزال واعية لأشعر بأني أرتفع في الهواء. وعندما تكتمل بهجتي أحسّ بخفة جسمي كأن ثقله قد زال، إلى حدّ أني لم أوقن إنْ كانت قدماي تلامسان الأرض أو لا».

القدّيس جوزف كوبرتينو (1603-1663) كانت حياته أكثر غبطةً. ففي أبوليا (إيطاليا) كان هذا صبياً بسيط العقل، يبدو أنه حين كان يافعاً، حاول بلوغ شكل من أشكال الانخطاف الروحي بواسطة تقشّفات شتّى كان يفرضها على ذاته كالجَلْد والصوم. وعندما قُبِل بتحفّظ في سلك رهبانية الفرنسيسكان وهو في الثانية والعشرين من عمره، لم يلبث أن بلغ الغيبوبة الروحية أثناء المسامحة بعد القدّاس، وطار حالاً عن الأرض ليهبط على الهيكل ويحترق بلهيب الشموع. في ما بعد، بسبب تكرار إنجازاته، أوقع السلطات الكنسية في مأزق نتيجة تواتر ممارساته ومباغتتها. والحق يقال إن الشاب كلّما شعر بفرح عظيم ارتفع في الهواء. وعندما شاهد البابا أول مرة، ارتفع عدة أمتار في الهواء. وحين أبدى أحد إخوته الرهبان ذات يوم ملاحظةً وجيزة بأن الله منحهم يوماً جميلاً، أطلق القديس جوزف كوبرتينو صيحة ابتهاج وطار إلى أعلى الشجرة، وقد عاين الرهبان أكثر من مئة حادث مماثل، قبل أن تُعلن قداسته. وفي سياق معظم أيام حياته، أمره رؤساؤه بأن يقوم سرّاً بتعبّداته، لأن جماعات المؤمنين تحيّروا في أمر طيرانه هكذا أثناء غيبوباته الروحية المتكررة. ومهما بدت هذه الأحداث غريبة في نظر معاصريه، تظلّ صحيحة لا يرقى إليها الشك. وإذا كان الاسترفاع ممكناً في القرون السابقة فلا سبيل إلى نكران حقيقته في عصرنا الحاضر. الاسترفاع في عصرنا كثيرون من المؤلفين الذين أجروا تحقيقات عن أشهر الحالات المعاصرة في هذا الميدان – بين المتصوّفين الشرقيّين – توصّلوا إلى الاقتناع بأنه، مع استبعاد حالات التصنع، يبقى عدد ضئيل من الحالات لا يقبل النقض. فالمؤلف الإنكليزي جون كيل في كتابه «جادو» حيث يحكي قصة رحلته إلى الهند والتيبت في الخمسينيات من هذا القرن، بيّن أن أشهر السحرة وصانعي المعجزات ليسوا إجمالاً سوى مشعوذين ماهرين. لكنه قابل أيضاً اللّاما التيبيتي في مقاطعة سكيم، واسمه نيانغ باس، الذي استرفع أثناء المحادثة، فقال: «وقف اللّاما على قدميه، ووضع يده على عصاه الثقيلة، ويبلغ طولها حوالى مئة عشرين سنتيمتراً، وارتسمت تكشيرة على فمه كأنه يبذل جهداً. وبتمهّل رفع رجليه عن الأرض وتربّع جالساً في الهواء، ولم يكن أي شيء تحته ولا وراءه، وليس هناك ما يستند إليه سوى العصا التي كان بواسطتها يحافظ على توازنه».

يظهر أن من يسترفعون هكذا يستعينون بعصا على هذه الطريقة، وهم يغلّفونها أحياناً بقطعة نسيج أبيض طقسياً. ولذلك ادّعى البعض أنهم يستعينون بقضيب معدني يخفونه تحت ثيابهم. لكن سلسلة الصورة التي أخذها عام 1936 ب. ت. بلنكت ونشرها في جريدة «إلّسترايند لندن نيوز» وضعت حدّاً للنقاش المحتدم على ما يظهر. فالحادث جرى في جنوب الهند، ورواه بلنكت بأدق تفاصيله هكذا: «كانت الساعة تقارب الثانية عشرة والنصف ظهراً، والشمس في سمْتها، ولم تعد الخيالات تؤثر على المشهد. كان صُبّايا بولافار جالساً بهدوء قريباً منّا، وكان طويل الشعر، متدلّي الشاربين، زائغ النظرات. جاء يسلّم علينا ويتحدّث قليلاً إلينا. وكان منذ عشرين سنة يمارس هذا النوع الخاص من اليوغا (متابعاً ما بدأه أهله منذ أجيال). فطلبنا منه الإذن لأخذ الصور فمنحنا إيّاه بدون تردّد، الأمر الذي بدّد كل شكوكنا في أن في الأمر إيحاءً ناجماً عن التنويم المغناطيسي». قُدّر عدد من حضروا الحفلة بمئة وخمسين شخصاً. فشاهد بلنكت اليوغي يسكب الماء بشكل حلقة حول خيمة صغيرة، فيها يجري الاسترفاع، بعيداً عن أعين الرقباء. لم يسمح لأحد يحتذي نعلاً من الجلد بأن يدخل إلى الحلقة. بعد بضع دقائق رفعت الخيمة وتمكن بلنكت وصديقه كلٌّ من جهة من أن يحضرا كشف حقيقة المشعوذ الطائر. فأخذ كلاهما صوراً وجسّا الفراغ تحته، واستنتجا أن الرجل لم يكن يرتكز على أي سند، ما عدا يده القابضة برفق على العصا المغلّقة بقطعة النسيج. ظل في الهواء في وضع أفقيّ مدة أربع دقائق تقريباً. ثم أُنزلت الخيمة عليه كي يعود إلى الأرض بعيداً عن نظر الجمهور. مع ذلك كان نسيج الخيمة رقيقاً بصورة مكّنت بلنكت من رؤية كل ما جرى. «بعد مرور دقيقة تبيّن أنه انحنى وأخذ في الهبوط بلطف وبدون أن يغيّر وضعه الأفقي. فاستغرق نزوله نحو خمس دقائق توازي مدى علوّ العصا أي ما يقارب المتر. طبعاً لم يكن من المفترض أن نشاهد هذه العملية، وإلا كانت جرت على المكشوف. عندما صار صُبّايا على الأرض، نقله مساعدوه إلى المكان الذي كنّا جالسين فيه، وطلبوا منّا أن نحاول طيّ أعضائه المشنّجة. ولم ننجح في ذلك حتى بعد عدة محاولات. فاقتضى تدليك المشعوذ مدة خمس دقائق، وسكب الماء البارد عليه لإعادته إلى حالته الطبيعية». وختم بلنكت تقريره معلناً: «بما أني كنت شاهداً مراراً على هذا الإنجاز مع بعض أصدقائي، بتُّ مقتنعاً تماماً بأنه لا ينطوي على أي غش». 

بين الخصائص المشتركة في الاسترفاعات التي شاهدناها حتى الآن، لا بد من ذكر الطبيعة المحدودة في الوقت والعلّو، والمحصورة في دقائق لا ساعات، وفي أمتار لا كيلومترات. منطقياً، ليس للاسترفاع التقليدي سوى سببين، والواحد يُفضي حتماً إلى الآخر: سيطرة استثنائية على الجسم، أو إلغاء مفعول الثقل مؤقتاً. لكن، مهما كانت درجة السيطرة التي يتسنى لنا أن نمارسها على جسمنا، لا بد لأمر ما من أن يلغي وَقْع الثقل، ومن قبيل الاطمئنان، يفكر المرء في خصائص الثقل الأساسية التي لم تتمكّن الفيزياء الحديثة من استجلائها حتى الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق